يشهد سوق العمل السعودية تحولاً تدريجياً في سياسات التوطين، لم تعد هذه السياسات مجرد نظام حصص عددية، بل أصبحت إستراتيجية تهدف إلى بناء كفاءات وطنية ذات قيمة عالية، مع الحفاظ على المرونة اللازمة لدعم المشاريع والاستثمارات التي تعتمد على العمالة كثيفة العدد ومنخفضة المهارات نسبياً.
يمكن وصف هذا التحول اقتصادياً بأنه انتقال من التركيز على الحصص الكمية إلى نهج يجمع بين الطموح الإستراتيجي والواقعية الاقتصادية، بما يخدم زخم الاستثمار واحتياجات المجتمع.
في قطاع التسويق والمبيعات، بدأت النتائج تظهر بوضوح منذ منتصف 2022 ارتفع عدد السعوديين العاملين في هذه المهن من نحو 15 ألف إلى أكثر من 112 ألف في 2025، محققاً زيادة تتجاوز 7 أضعاف، ليصل معدل التوطين إلى نحو 47%، ومع رفع النسبة المستهدفة إلى 60% مصحوبة بحد أدنى للأجور 5500 ريال، شهد القطاع دخول أكثر من 12 ألف سعودي إضافي إلى سوق العمل في الأشهر الأخيرة، وهذا مؤشر واضح على الاستجابة للتنظيمات.
وتكرر النمط نفسه في المهن المحاسبية، حيث قفز عدد المهنيين السعوديين من نحو 40 ألف في 2020 إلى 116 ألف بنهاية 2025 وبنسبة نمو تقارب 3 أضعاف، ويجري حالياً تطبيق المتطلبات تدريجياً على 44 مهنة محاسبية، وهو أمر حيوي لبناء خبرات وطنية قوية في التقارير المالية والمراجعة والامتثال، ولا سيما أن هذه المجالات حاسمة لجذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز الشفافية.
أما في المهن الهندسية والفنية معاً، فقد شهد عدد السعوديين نمواً ملموساً. ارتفع عدد المهندسين السعوديين في القطاع الخاص من نحو 47 ألف في 2020 إلى أكثر من 121 ألف في 2025، بنسبة زيادة تصل إلى 157%. وفي الصيدلة، أحد المجالات الحيوية في القطاع الصحي، ارتفع عدد السعوديين من 6 آلاف إلى 14 ألف، أي بزيادة 133% خلال الفترة نفسها، مع نسب متفاوتة حسب طبيعة النشاط مثل 35% في الصيدليات المجتمعية والمنتشرة في الشوارع العامة و65% في المستشفيات، وهي دلالة على تطور التوطين الصحي.
غير أن هذا التقدم في المهن المتخصصة وعالية المهارات يبرز بوضوح أمام واقع قطاعات أخرى، ففي أنشطة البناء والتشييد والبنية التحتية التي تشكل نحو 25% من وظائف القطاع الخاص، تبقى نسب التوطين منخفضة، وتعود هذه النسب إلى طبيعة الوظائف المنخفضة المهارات، التي تكون أقل جاذبية للكوادر الوطنية، لذا لا تتجاوز نسبة التوطين فيها 13% وسط تركز كبير للعمالة الوافدة في هذه الأنشطة التشغيلية.
وفي قراءة لتوزيع الوظائف في سوق العمل، نلاحظ أن ارتفاع العمالة غير السعودية يرتبط أساساً بالمهن التشغيلية منخفضة المهارات، وليس بالوظائف النوعية، ومن الملفت، وبحسب تقرير لمحة سوق العمل الصادر عن المرصد الوطني بشكل ربعي، أن متوسط أجور السعوديين في القطاع الخاص ارتفع إلى أكثر من 9 آلاف ريال بنهاية 2025، مقابل 2433 ريال فقط للوافدين، كما أظهر التقرير أن 70% من المواطنين يعملون في مهن عالية المهارات، بينما يتركز 85% من الوافدين في المهن التشغيلية والخدمية منخفضة المهارات، وكلها مؤشرات هيكلية تؤكد أن إستراتيجية التوطين النوعي تعمل بشكل صحيح.
قد لا يدرك كثيرون أن الاختلاف في طبيعة الوظائف بين القطاعات وكذلك بين الوظائف التشغيلية والنوعية يجعل المقارنة الإجمالية دون تفصيل غير دقيقة. فمثلاً، المعلومة المتداولة بأن الأجانب يشكلون 77% من موظفي الدولة غير دقيق، إذ تخص هذه النسبة إجمالي سوق العمل، بينما يغلب التوطين المتدرج على وظائف القطاع الخاص النوعية والتخصصية، أما القطاع الحكومي فيتجاوز توطينه 95%
أخيرا: في ظل إجمالي مشتركي التأمينات الاجتماعية البالغ 13.67 مليون بنهاية 2025 (النشطين فعلياً في سوق العمل)، يخفي هذا الرقم ديناميكية هيكلية أعمق، إذ يتركز الوافدون بنسبة تصل إلى 85% في الوظائف التشغيلية منخفضة المهارات، وهذا يساعد اقتصادياً على الحفاظ على زخم النمو خاصة في قطاع البناء والتشييد، بينما يحقق السعوديون تقدماً ملموساً في المهن النوعية عالية القيمة المضافة.
اقتصادي في السياسات الاقتصادية وإدارة إستراتيجيات الأعمال والشراكات الإستراتيجية.
