تتكرر النقاشات بين الحين والآخر حول العلاقة بين الطاقة والصناعة، لكن إعادة النظر في هذه العلاقة من زوايا مختلفة قد تساعدنا على فهم أعمق لكيفية مضاعفة العائد من الموارد المتاحة في المملكة. فالسؤال لم يعد يتمحور فقط حول ما الصناعات التي يمكن أن نصدّرها أو يمكن إحلال بها الواردات، على سبيل المثال؟ بل أصبح أيضاً يدور حول كيفية اختيار الصناعات التي تستخدم مواردنا بأفضل طريقة وتحقق أعلى قيمة وطنية ممكنة !.
ورغم أن رؤية السعودية 2030 وضعت هذا الهدف ضمن أولوياتها، إلا أن بعض الأرقام أخيرا تكشف لنا أن أمام المملكة مساحة واسعة للنمو المستدام في القطاع الصناعي بكفاءة أفضل. فقد بلغ إسهام الصناعة في الناتج المحلي نحو 502 مليار ريال بنهاية 2025، ووصل عدد المصانع إلى ما يقارب 13 ألف مصنع، بينما تجاوزت الصادرات الصناعية 167 مليار ريال.
وفي المقابل، بلغت الواردات نحو 950 مليار ريال، وكان جزء كبير منها في الآلات والمعدات الكهربائية ومعدات النقل. ورغم أهمية هذه الأرقام، فإنها لا تكفي وحدها لتحديد الصناعات التي تستحق الأولوية، لأنها لا تربط بوضوح بين حجم النشاط الصناعي وبين مقدار الموارد التي يستهلكها أو القيمة التي يضيفها للاقتصاد.
من هنا تأتي فكرة (منحنى القيمة الصناعية للطاقة)، وهو ما يمكن أن يكون بمنزلة إطار يساعد على ترتيب الفرص الصناعية بناءً على مقدار القيمة الوطنية التي تنتجها كل وحدة من الطاقة أو اللقيم. فبدلاً من النظر إلى حجم المشروع أو مبيعاته، يصبح التركيز على مدى قدرته على تحويل الموارد المتاحة إلى قيمة محلية مستدامة، سواء عبر زيادة الصادرات، أو إحلال الواردات، أو بناء سلاسل توريد ومعرفة داخل السعودية.
والفكرة تقوم على أن القيمة ليست مجرد أرباح أو أرقام مالية، بل تشمل ما يضيفه المشروع للاقتصاد من محتوى محلي داخل الصادرات، وما يمكن أن يحل محل الواردات، وما يضفيه من وظائف وموردين وتقنيات، إضافة إلى حجم الاستثمار الخاص الذي يجذبه مقارنة بما يحصل عليه من موارد أو حوافز حكومية. وفي المقابل، يجب النظر إلى كمية الطاقة والمياه التي يستهلكها المشروع، ونسبة المدخلات المستوردة، وتكلفة البنية التحتية، والأثر البيئي الناتج عنه، وبهذا يصبح المنحنى أداة تساعد متخذ القرار على المقارنة بين المشاريع بطريقة شاملة، وليس مجرد حسابات مالية أو مؤشرات منفردة.
وقد نجد مشاريع تسهلك طاقة عالية لكنها تحول المواد الخام المحلية إلى منتجات متقدمة ذات قيمة مرتفعة، بينما نجد مشاريع أخرى تستهلك طاقة أقل لكنها تعتمد على تجميع أجزاء مستوردة ولا تضيف معرفة أو موردين محليين. لذلك نرى ألّا يركز السؤال فقط على أي الصناعات تستهلك أكثر أو أقل طاقة؟ بل يذهب لأعمق من ذلك في المقارنة بأي من تلك الصناعات يحول ما تستهلكه إلى قيمة اقتصادية أكبر؟!
والمنحنى الذي نقترحه، لا يجب أن يمنح أفضلية مباشرة وتلقائية للتصدير أو إحلال الواردات، لأن كلاً منهما قد يحقق قيمة محدودة إذا كان قائماً على مدخلات مستوردة أو حماية دائمة. فالتصدير المجدي هو ما يعتمد على محتوى ملحي يتنامى بشكل مستمر، والإحلال المجدي هو ما يستند إلى قدرة تنافسية حقيقية.وينطبق الأمر نفسه على الاستثمار الأجنبي، فالأهم ليس حجم المال، بل قدرته على إضافة حلقة جديدة في الاقتصاد، سواء كانت تقنية متقدمة أو مركزاً للتصميم والهندسة مثلاً، أو بناء موردين محليين أو ربط المواد الخام بمنتجات نهائية بقيمة أعلى.
ومن زاوية أخرى، يمكن النظر إلى قطاع الطاقة باعتباره منصة للطلب الصناعي، وليس مجرد قطاع يوفر مدخلات التشغيل. فالقطاع يمتلك رؤية مبكرة للمشاريع والمشتريات المستقبلية، ويمكن تحويل هذه الرؤية إلى إشارات استثمارية تساعد المصانع على اتخاذ قراراتها قبل ظهور الطلب الفعلي. وبذلك يصبح الطلب المتوقع في مشاريعه الطاقة نقطة انطلاق لصناعات تخدم لاحقاً قطاعات المياه والتعدين والكيماويات، على سبيل المثال، ثم نتوسع إلى الأسواق الإقليمية، ما يمنح الصناعة سوقاً أولية واضحة ويمنح الطاقة سلاسل إمداد أقرب وأكثر مرونة.
ولتحويل فكرة المنحنى إلى أداة عملية، يمكن بناء خريطة تربط بين موارد الطاقة المتاحة، والمشتريات المستقبلية للمشاريع الكبرى أو لمجموعة مركزّة من مشاريع متعددة ذات أحجام أصغر، إضافة للمنتجات المستوردة والأسواق التصديرية المحتملة، والقدرات الصناعية المحلية. ثم نحلل تلك المعلومات ومن تقاطعاتها نحدد الفرص التي تظهر لنا على مستوى المنتجات، وليس مجرد عناوين قطاعية واسعة. وبعد ذلك، يمكن قياس ما تحقق فعلياً من قيمة محلية وإحلال واردات وصادرات محتملة وموردين وقدرات محلية مقابل ما تم استخدامه من موارد وحوافز.
ولا يعني ذلك أن القرار الصناعي يجب أن يعتمد على العائد المالي بشكل كامل، فهناك صناعات إستراتيجية ترتبط بالأمن الغذائي والدوائي والدفاعي والمائي، وقد تستحق الأولوية حتى إن كان عائدها أقل، لكن المنحنى يجعل هذه الاعتبار واضحاً ويتيح معرفة التكلفة التي يتحملها الاقتصاد لتحقيقه.
وتدعم التجارب الدولية هذا التوجه، ففي بريطانيا تعتمد منهجية الكتاب الأخضر على تحليل المنافع والتكاليف والمخاطر بطريقة شاملة، وكذلك سنغافورة التي تعتمد سياستها الاستثمارية على سؤال مباشر يتمحور حول ما الذي سيضيفه المستثمر للاقتصاد المحلي؟ وتقيّم المشاريع وفق قدرتها على نقل التقنية وبناء موردين محليين وإضافة وظائف نوعية وحجم الانفاق داخل الاقتصاد.
وفي مرحلة ما قادمة، وباستخدام مثل هذا المنحنى، قد تتكون لدينا محفظة متنوعة تجمع صناعات تصديرية مرتفعة القيمة، وصناعات تحل محل واردات حرجة، وأخرى تعزز أمن الإمدادات، واستثمارات تنقل تقنيات نادرة وتبني قائمة بموردين محليين تتوسع طاقتهم الإنتاجية مع توسع الطلب المحلي والخارجي، لتكون معادلة المفاضلة لدينا ليست فقط بين التصدير والاحلال ولا بين الصناعات الأعلى أو الأقل استهلاكاً للطاقة، بل أيضاً بين الاستخدامات المختلفة للموارد والكفاءة في استخدامها لإنتاج قيمة اقتصادية وطنية مستدامة، وسؤالنا القادم والأهم ليس حول مقدار الطاقة المتاحة للمصانع، بل حول القيمة الوطنية التي يمكن إنتاجها من كل وحدة طاقة، وبين السؤالين تقع اقتصاديات الاختيار.
خبير اقتصادي وعضو جمعية الاقتصاد السعودية

