الثلاثاء, 6 أكتوبر 2026|23 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية


أحمد الشهري

ربما تكون القراءة الأهم لمنتدى "الاقتصادية" السنوي أنه لا يمثل مجرد إضافة نوعية إلى رزنامة الفعاليات السعودية، بل يعكس تحولاً أوسع في دور صحيفة الاقتصادية، وهو تحول يأتي تحت رعاية نائب وزير الإعلام وبتوجيه من معالي وزير الإعلام، بما يؤكد التوجه نحو تطوير دور الإعلام الاقتصادي ليكون صانعاً للنقاش، لا مجرد ناقل له، ومساحة جديدة تمتلك أدواتها في قراءة التحولات واستشراف المستقبل.

الصحف الاقتصادية بصورتها التقليدية كانت تنقل الخبر، وتفسر أحداث السوق، وتتابع ما يصدر من قرارات ثم تعلق عليها. أما اليوم، فأرى أن الاقتصادية تقدم نموذجاً لافتاً في مسار الصحافة الاقتصادية المتخصصة في السعودية والمنطقة، وقد قطعت شوطاً واضحاً في الانتقال من مفهوم الصحيفة إلى مفهوم المنصة الاقتصادية.

فالإعلام الاقتصادي القوي لم يعد يراقب الاقتصاد من الخارج، بل أصبح جزءاً من منظومة الحوار حوله؛ يجمع القيادات، وينتج المعرفة، ويفتح مسارات للنقاش، ويدير حواراً مستداماً حول القضايا الاقتصادية الكبرى.

ومن هنا، يمكن النظر إلى صحيفة الاقتصادية بوصفها نموذجاً للتحول من صحيفة، ورقية كانت أو رقمية، إلى منصة اقتصادية أكثر تكاملاً، والمنتدى السنوي أحد أبرز مظاهر هذا التحول، لأنه ينقل المؤسسة من تغطية الحوارات إلى استضافتها، ومن متابعة قادة الأعمال إلى جمعهم في مساحة تفاعلية واحدة، تلتقي فيها الرؤى والأفكار قبل أن تتحول لاحقاً إلى قرارات أو توجهات في السوق.

وهذه ليست مسألة شكلية، خصوصاً لمن يتذكر المخاوف التي صاحبت انتقال الصحافة من عصر الورق إلى العصر الرقمي؛ فمستقبل الإعلام الاقتصادي لن يعتمد على من ينشر الخبر أولاً، بعد أن أصبح الخبر متاحاً للجميع تقريباً، بل ستكون القيمة الأعلى لمن يستطيع تقديم السياق والبيانات والتحليل العميق، وبناء شبكة من الخبراء وقادة الأعمال، ثم تحويل كل ذلك إلى معرفة لها أثر يتجاوز لحظة النشر.

ومن خلال متابعتي الاقتصادية للأثر الذي تصنعه التحولات الجوهرية، أرى أن "الاقتصادية" فتحت مساراً يمكن أن يتطور تدريجياً إلى منصة تجمع الإعلام والبيانات والدراسات واستطلاعات قادة الأعمال، وربما يصل مستقبلاً إلى إطلاق مؤشرات اقتصادية خاصة بها.

وعندما يصبح المنتدى السنوي قلب هذه المنظومة، لا فعالية منفصلة عنها، يمكن أن يبدأ النقاش قبل انعقاده بأشهر من خلال التقارير والتحليلات التمهيدية، ثم يصل إلى ذروته في جلسات مركزة، وتستمر مخرجاته بعد ذلك في صورة تحليلات ودراسات تمتد طوال العام، عندها لا ينتهي المنتدى بخروج آخر ضيف من القاعة.

وهنا تحديداً يصبح تشبيه المنتدى بدافوس المصغّر مستحقاً، فالقيمة ليست في حجم الحدث ولا في عدد الحضور، وإنما في القدرة على بناء بيئة اقتصادية لها ذاكرة واستمرارية وتأثير، وتستطيع أن تجمع في مساحة واحدة من يصنع القرار، ومن يحرك رأس المال، ومن يقرأ التحولات المقبلة.

ختاماً: نجاح نموذج صحيفة الاقتصادية مستقبلاً لن يقاس بعدد صفحات الصحيفة، ولا بعدد الحضور في المنتدى، بل بقدرة الاقتصادية على أن تصبح أحد المراجع الأولى التي يعود إليها مجتمع الأعمال وصناع السياسات الاقتصادية لفهم ما يحدث اليوم، واستشراف التحولات التي قد تصنع أحداث الغد.

اقتصادي في السياسات الاقتصادية وإدارة إستراتيجيات الأعمال والشراكات الإستراتيجية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية