الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأحد, 19 أبريل 2026 | 2 ذُو الْقِعْدَة 1447
Logo

منتج موثوق يعتمد عليه العالم

نايف الدندني
السبت 18 أبريل 2026 14:13 |4 دقائق قراءة

تعرض خط الأنابيب الشرق-غرب المسمى أيضاً بالبترولاين أحد أبرز شرايين تصدير النفط السعودي هذا الشهر لهجوم استهدف إحدى محطات الضخ، هذا الاستهداف أدى إلى خفض قدرة التدفق بنحو 700 ألف برميل يومياً. كما أثرت الهجمات المصاحبة على حقول منيفة وخريص وانخفضت القدرة الإنتاجية الإجمالية للمملكة بنحو 600 ألف برميل يومياً، 300 ألف في كل حقل.

وفي سياق إغلاق مضيق هرمز تقريباً خلال التوترات الإقليمية، أصبح هذا الخط  الذي يمتد 1200 كيلومتر من أبقيق شرقاً إلى ينبع غرباً الشريان الرئيسي لتصدير النفط السعودي إلى الأسواق العالمية عبر البحر الأحمر. وخلال أيام قليلة من وقوع الهجوم أعلنت وزارة الطاقة السعودية في الثاني عشر من الشهر الحالي استعادة القدرة الكاملة للخط البالغة 7 ملايين برميل يومياً مع استعادة الإنتاج الكامل في حقل منيفة، 300 ألف برميل يومياً، بينما تتواصل الجهود في استعادة إنتاج خريص.

هذه الاستعادة السريعة لم تكن مجرد إنجاز فني، بل تعكس استراتيجية اقتصادية مدروسة طويلة الأمد، ترتكز على الاحتياطي الإنتاجي، التنويع في البنية التحتية، والقدرة التشغيلية العالية لأرامكو السعودية. هذه الحادثة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بإنجازات سابقة مماثلة، حيث أثبتت المملكة مراراً قدرتها على استعادة إنتاجها النفطي وسط اضطرابات جيوسياسية كبرى، ما حافظ على استقرار الإيرادات النفطية التي تشكل نحو 40-50% من إيرادات الموازنة العامة وأسهمت في دعم استقرار الاقتصاد العالمي.

قبل الهجوم، كان خط الشرق-غرب قد شهد زيادة استراتيجية في 2019، حيث تم تحويل خطوط نقل الغاز الطبيعي المسال إلى نقل الخام، ما رفع سعته الإجمالية من 5 ملايين إلى 7 ملايين برميل يومياً.

وخلال الأزمة الأخيرة كان الخط ينقل نحو 7 ملايين برميل يومياً منها نحو 5 ملايين للتصدير عبر ينبع، إضافة إلى 700-900 ألف برميل من المنتجات المكررة.

الهجوم خفض التدفق بـ700 ألف برميل، لكن الاستجابة الفورية شملت استعادة القدرة التشغيلية الكاملة خلال  أيام، عبر إصلاح محطة الضخ المتضررة وتعزيز الإنتاج من حقول بديلة واستعادة إنتاج منيفة بالكامل في وقت قياسي. كما حافظت على التصدير عبر ينبع الذي شهد زيادة ملحوظة في الشحنات بلغت أربعة أضعاف في بعض الفترات السابقة لتجاوز إغلاق هرمز.

اقتصادياً حدّت هذه الاستعادة من التأثير في إيرادات المملكة. فلو استمر الانخفاض لأسابيع لكان سيؤثر في نحو 0.6% من الإنتاج السعودي اليومي الذي يراوح حول 9-10 ملايين برميل يومياً في الظروف العادية، ما يعادل خسارة محتملة بملايين الدولارات يومياً بناءً على أسعار برنت. لكن السرعة ضمنت استمرارية الإمدادات، ودعمت استقرار الأسواق العالمية، خاصة أن السعودية تمتلك مخزونات نفطية خارج أراضي السعودية في ثلاث قارات، سمحت بتعويض الخسارة دون اللجوء إلى سحب كبير من الاحتياطيات العالمية.

إن استعادة السعة التشغيلية لخط شرق غرب لا تمثل حدثاً معزولاً، بل حلقة في سلسلة إنجازات سعودية سابقة أثبتت قدرة المملكة على التعافي السريع، ما عزز مكانتها كـ”صمام أمان” لأسواق النفط العالمية.


ففي 14 سبتمبر 2019، استيقظ السعوديون على هجوم بطائرات مسيرة وصواريخ استهدفت منشآت أبقيق النفطية وأدت إلى إيقاف 5.7 مليون برميل يومياً أي نصف الإنتاج السعودي من 9.8-9.9 مليون برميل يومياً إلى نحو 4.1 مليون، و5% من الإنتاج العالمي من المنشأة الأكبر معالجة في العالم بسعة 7 ملايين برميل. ردت السعودية على ذلك بأن أعادت أبقيق إلى إنتاج مليوني برميل في غضون 48 ساعة.

كما تم استعادة الإنتاج الكامل بحلول نهاية سبتمبر 2019 في أقل من أسبوعين. وأيضاً رفعت السعودية الإنتاج إلى 11 مليون برميل يومياً بحلول 30 سبتمبر، ثم إلى 12 مليون بحلول نوفمبر، مستفيدة من الاحتياطي الإنتاجي والحقول البديلة مثل منيفة، شيبة، وحقول بحرية أخرى. اقتصادياً ارتفع سعر برنت بنسبة 14-19% في يوم واحد ولكنه عاد إلى الاستقرار فور إعلان التعافي.

لقد أظهرت الواقعة قدرة أرامكو الفنية على الإصلاح السريع، رغم تكلفة الإصلاحات التي بلغت مئات الملايين من الدولارات، وحافظت على إيرادات التصدير عبر المخزونات.

واذا ما عدنا إلى أحداث الماضي فإن غزو العراق للكويت في أغسطس 1990، تسبب في توقف إنتاج العراق والكويت بنحو 4.3 مليون برميل يومياً، بينما تدخلت السعودية ورفعت السعودية إنتاجها من 5.6 مليون برميل يومياً إلى 8.7 مليون بحلول نوفمبر 1990، أي بزيادة قدرها 3.1 مليون برميل يومياً في أشهر قليلة. كلفت هذه الزيادة 4.7 مليار دولار لإعادة تشغيل المنشآت القديمة وبناء جديدة، لكنها حالت دون اضطرابات أسواق النفط العالمية وغطت الطلب العالمي.

كما تعاملت السعودية مع تسرب نفطي كبير في الخليج دون تعطيل الإنتاج، محافظة على استقرار إيرادات النفط السعودية التي بلغت 40-41 مليار دولار في 1990. ولعل أحد أهم القراءات الاستراتيجية الفعالة والقرارت الوقائية طويلة الأمد هو بناء خط الشرق-غرب نفسه، ففي الثمانينيات أثناء حرب إيران-العراق إبان اندلاع حرب الناقلات وسط الحرب الرئيسية تم التفكير في هذا الخط لتجاوز مضيق هرمز وظل هذا الخط تأميناً استراتيجياً لعقود، قبل أن يصبح حيوياً في هذا العام مع اندلاع الحرب على إيران.

هذه الرؤية الاستباقية مدعومة باحتياطي إنتاجي وتنويع التصدير من رأس تنورة على الخليج إلى ينبع على البحر الأحمر وهو ما مكّن السعودية من تصدير نفطها بدلاً من الانتظار لأكثر من 38 يوماً في انتظار فتح المضيق وساهم في تأمين إيرادات في ظل ارتفاع في أسعار النفط العالمية.

تعزز هذه الاستعادات السريعة والمرونة العالية مكانة السعودية كمورد موثوق يعمل على استقرار اقتصاده المحلي واستمرارية إيراداته ودعم الاقتصاد العالمي واستدامة الطلب في ظروف اقتصادية مضطربة، فالنفط يشكل أساسا في رؤية 2030، رغم التنويع ويمثل شريان الحياة بالنسبة للاقتصاد العالمي. السعودية تدرك أن التعافي السريع يقلل من تقلبات الإيرادات، ويحافظ على عوائد الاستثمارات في القطاع.

عالمياً منعت الاستجابات السعودية ارتفاعات حادة في الأسعار، كما حدث في 2019 حيث عاد الاستقرار فور الإعلان عن التعافي. كما أن القدرة على التعويض عبر الخط شرق-غرب هذا الشهر أكدت جدوى الاستثمار في البنية التحتية والاستفادة من تكلفة تطويرها وهو ما يمثل نموذجا حياً للتخطيط الاستراتيجي وللمرونة الاقتصادية السعودية المبنية على خبرة عقود متراكمة من حرب الخليج إلى هجوم 2019 وصولاً إلى الأزمة الحالية.

فقد أثبتت السعودية أن الاستثمار في الاحتياطي، التنويع، والتقنية ليس رفاهية، بل ضماناً لاستقرار الاقتصاد الوطني والعالمي وهو ما يعزز الثقة بقدرة أرامكو والسعودية على مواجهة التحديات المستقبلية ويدعم نمواً مستداماً في قطاع الطاقة ويصنفها في أعلى درجات سلم الموثوقية والكفاءة والاعتمادية.

خبير استراتيجي في شؤون الطاقة

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية