آندي هوم
تشهد مصاهر الألومنيوم في الصين نشاطاً محموماً هذا العام؛ إذ تقترب أسعار الألومنيوم في بورصة شنغهاي من أعلى مستوياتها في 3 أشهر، وتصل تكاليف المواد الخام إلى مستويات متدنية تاريخياً، بينما تظل هوامش الربح قوية. وهذا ما يدفع كل منتج للعمل بأقصى طاقة إنتاجية ممكنة لمصنعه.
وبالفعل، تجاوز الإنتاج الوطني سقف الطاقة الإنتاجية الذي حددته بكين عند 45 مليون طن متري خلال الشهرين الماضيين، حيث تستغل المصاهر كامل قدراتها الإنتاجية. ومع ذلك، لا يزال السقف الإلزامي للإنتاج قائماً. وقد تقبل المنتجون الصينيون هذا الواقع، وبدأوا الآن في استثمار مبالغ ضخمة في مشاريع مصاهر الألومنيوم خارج البلاد. وفي حين يشتكي الرئيس دونالد ترمب من أن الولايات المتحدة بحاجة "ماسة" إلى مزيد من الألومنيوم، فإن أكبر منتج في العالم يعزز مكانته المهيمنة في سلسلة التوريد العالمية.
عند الحد الأقصى
يعود تاريخ فرض سقف للطاقة الإنتاجية في الصين إلى عام 2017، حين كان القطاع يمر بمرحلة ازدهار فوضوي؛ إذ بدا أن الجميع يرغبون في بناء مصاهر خاصة بهم للألومنيوم، ما شكل ضغطاً متزايداً على شبكة الكهرباء في البلاد. حينها، وضعت بكين حداً فاصلاً عند مستوى 45 مليون طن.
وبحلول نهاية ذلك العام، كانت السلطات قد أوقفت تشغيل طاقة إنتاجية "غير قانونية" تبلغ 5.37 مليون طن، وأخرى "غير مطابقة للمعايير" تبلغ 6.19 مليون طن، وذلك وفقاً لما ذكره ون شيان جين، نائب رئيس جمعية صناعة المعادن غير الحديدية الصينية. وقضت القاعدة الجديدة بأنه إذا أرادت جهة ما بناء مصهر جديد كلياً (مشروع "جرينفيلد")، فيتعين عليها إغلاق مصهر قديم يمتلك نفس القدرة الإنتاجية.
وقد طُبقت هذه اللوائح بصرامة منذ ذلك الحين، وأدت إلى تحديث جماعي لتقنيات الصهر مع استبدال المصانع الأقل كفاءة بأخرى جديدة. والآن، يجري استغلال تلك التقنيات لزيادة الإنتاج.
إن الطاقة الإنتاجية لمصاهر الألومنيوم -على حد تعبير شركة الاستشارات "إيه زد جلوبال"- "ليست حداً فيزيائياً ثابتاً لا يتغير"؛ إذ يمكن لسلسلة من التحسينات التشغيلية أن تسمح بسهولة بارتفاع الإنتاج الفعلي ليتجاوز الطاقة الإنتاجية الاسمية (المصممة).
وهذا الزحف الجماعي في مستويات الإنتاج يفسر سبب تجاوز الإنتاج الوطني حاجز الـ 45 مليون طن منذ شهر مارس. تُقدّر شركة "AZ Global" أن مصاهر الألمنيوم الصينية عملت بنسبة 99.7% من طاقتها الفعلية البالغة 45.26 مليون طن خلال شهر أغسطس.
وتكمن المفارقة في أن هذه المصاهر تستفيد في آنٍ واحد من سقف الطاقة الإنتاجية المفروض عليها محلياً ومن غياب قيد مماثل على إنتاج الألومينا (المادة الخام للألمنيوم) داخل البلاد.
إذ تعاني المادة الخام الأساسية لعملية الصهر فائضا مزمنا في المعروض، ما أدى إلى انخفاض أسعارها إلى مستويات متدنية للغاية. ورغم أن قدرة المصاهر الصينية على الحفاظ على معدلات استغلال الطاقة هذه تظل محل تساؤل، فمن الواضح أن أي زيادة محتملة في الإنتاج أصبحت محدودة للغاية الآن.
التوسع في إندونيسيا
يدرك المنتجون الصينيون أن التوسع يتطلب منهم الآن التوجه إلى الأسواق الخارجية. وقد تدفقت الاستثمارات بشكل رئيسي إلى إندونيسيا، حيث يمكن إقامة مصاهر جديدة للألمنيوم داخل المجمعات الصناعية التي شيدتها الصين أصلاً لمعالجة النيكل.
وفي هذا السياق، تعاونت مجموعة "تسينجشان" -التي تقود طفرة النيكل في إندونيسيا- مع شركتي الألمنيوم الصينيتين "هوافون" و"شينفا" لإنشاء مصهري "هوا تشين" و"جوان" الجديدين، على التوالي.
وقد أسهمت البنية التحتية القائمة للطاقة والخدمات اللوجستية في تسريع وتيرة البناء.
بدأ مصهر "هوا تشين" عملياته العام الماضي بطاقة إنتاجية سنوية تبلغ 480 ألف طن، كما تقدم بطلب في شهر مايو لإدراج علامته التجارية "HCAI" في بورصة لندن للمعادن.
أما مصهر "جوان" فقد شحن أولى كمياته من الألمنيوم إلى الولايات المتحدة في شهر مارس، وتبعتها في ذلك شركة "PT Alamtri Resources Indonesia" -التي تمتلك فيها شركة "Zhejiang Lygend Mining" الصينية حصة أقلية- خلال يونيو.
تبادل الطاقات الإنتاجية
كما بدأت مشاريع مصاهر الألمنيوم الصينية تظهر في مناطق أخرى أبعد جغرافياً. ففي كازاخستان، تعكف شركة "شينفا" على تجهيز مجمع صناعي متكامل المراحل بطاقة إنتاجية مستهدفة للألمنيوم تبلغ 2.4 مليون طن سنوياً. وفي الوقت نفسه، تعمل مجموعة "إيست هوب" على مشروع ضخم ومتكامل يغطي جميع مراحل الإنتاج، بدءاً من خام البوكسيت ومروراً بالألومينا ووصولاً إلى الألمنيوم.
وفي أنجولا، يدعم تحالف صيني بقيادة مجموعة "Hebei Huatong Wire and Cables" إنشاء مصهر جديد في منطقة "بارا دو داندي" للتجارة الحرة. تم إنشاء المرحلة الأولى -التي تبلغ طاقتها الإنتاجية 120 ألف طن- باستخدام معدات نُقلت من الصين، ويُرجح أنها جاءت من مصهر قديم تم الاستغناء عنه لمصلحة مصهر جديد؛ ما يمثل تطبيقاً دولياً لسياسة بكين القائمة على مبدأ "مقايضة القدرات الإنتاجية".ويُعزز موقع المصهر المطل على المحيط الأطلسي من نفوذ الصين في قطاع الألومنيوم، موسعاً نطاق وصولها إلى الأسواق الغربية.
وتستحوذ الصين بالفعل على نحو 60% من الإنتاج العالمي، وهي نسبة ارتفعت تدريجياً لتصل إلى 63% نتيجة توقف الإنتاج الخليجي إبان الحرب الإيرانية. ومن شأن الجيل الجديد من المصاهر المدعومة صينياً أن يرسخ هذه الهيمنة، طالما ظل الغرب يواجه صعوبة في تقديم ردٍ يضاهيها من حيث الحجم والنطاق.
كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز
