الأربعاء, 4 نوفمبر 2026|23 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية


 جيمي ماكغيفر

أدت الاضطرابات التي شهدتها الأسواق في الأسابيع الأخيرة -والمرتبطة بطفرة الذكاء الاصطناعي- إلى تجدد الطلب على عديد من الملاذات الآمنة التقليدية، باستثناء واحد بارز: الذهب.

فقد أدت المخاوف المتزايدة بشأن استدامة وربحية طفرة الذكاء الاصطناعي إلى تراجع مؤشري "إس آند بي 500" (S&P 500) و"ناسداك" (Nasdaq) عن مستوياتهما القياسية، ما دفع المستثمرين للبحث عن الحماية في ملاذات كلاسيكية مثل سندات الخزانة الأمريكية، والدولار، والفرنك السويسري، والين الياباني. لكن الذهب -وهو أقدم الملاذات الآمنة على الإطلاق- لم يشهد إقبالاً يذكر.

وقد انخفض المعدن الأصفر يوم الجمعة إلى ما دون 4 آلاف دولار للأونصة، مسجلاً أدنى مستوى له منذ عام، وذلك على الرغم من أجواء "العزوف عن المخاطرة" التي تبدو مواتية عادةً للذهب؛ إذ تراجعت أسعار الأسهم، واتسعت فروق العائد على الائتمان، وانخفضت عوائد السندات، وتضاءلت التوقعات بشأن رفع أسعار الفائدة الأمريكية.

وحتى الضعف المستمر في عملة "بيتكوين" -التي وُصفت يوماً بـ "الذهب الرقمي"- والهجوم الإلكتروني الذي تعرضت له منصة "بينانس" (Binance) للعملات المشفرة الأسبوع الماضي، والذي تسبب في خسائر بلغت 6.3 مليار دولار (وربما يُعد أكبر عملية سرقة مالية في العالم)، لم يقدما أي دعم ملموس للذهب. ولم يسهم الصراع المستمر منذ 8 أشهر بين الولايات المتحدة وإيران في دعم الذهب أيضاً. في الواقع، لقد مر وقت طويل منذ أن أظهر الذهب خصائص "الملاذ الآمن" أو "التحوط ضد التضخم" التي طالما ارتبطت به تقليدياً.

من الأمان إلى المضاربة

لقد كثفت البنوك المركزية -وهي من أكثر المستثمرين حرصاً على الأمان وتحفظاً، وأقلهم تأثراً بتقلبات الأسعار- مشترياتها من الذهب في السنوات الأخيرة. وقد يعكس هذا رغبة في تنويع الأصول بعيداً عن الدولار في ظل قرارات السياسة الأمريكية المتقلبة، أكثر من كونه إيماناً راسخاً بجاذبية الذهب كملاذ آمن.

وتُظهر بيانات صادرة عن "مجلس الذهب العالمي" يوم الثلاثاء أن مشتريات البنوك المركزية ارتفعت بنسبة 42% في الربع الثالث لتصل إلى 321 طناً مترياً، وهو أعلى إجمالي ربع سنوي منذ الربع الرابع من عام 2024. وقد تصدرت بولندا والصين قائمة الدول التي أعلنت رسمياً عن عمليات شراء. لكن ورقة بحثية صادرة عن صندوق النقد الدولي في يوليو خلصت إلى أن الذهب ليس أداة تحوط "موثوقة" ضد تقلبات أسواق الأسهم -وربما لم يكن كذلك قط- على الرغم من الاعتقاد السائد بخلاف ذلك، مشيرة إلى أن خصائصه كملاذ آمن "ليست شاملة ولا مطلقة".

ولا يقتصر الأمر على أن الذهب لا يعمل كمخزن للقيمة فحسب، بل إنه غالباً ما يُتداول كأصل مضاربي. فعندما بلغ الذهب ذروة قياسية مذهلة عند 5595 دولاراً للأونصة في يناير الماضي، ارتفع معدل التقلب "المُحقق" على مدى أسبوع واحد إلى 90%؛ وهو مستوى يضاهي تقلبات الأسهم التي تحركها المضاربات الجماعية (ما يُعرف بـ "أسهم الميم").

وفي الوقت الراهن، يتسم ارتباط الذهب بالأسهم بكونه ارتباطاً إيجابياً ومتزايد القوة. ويقدر سوكي كوبر وستيفن إنجلاندر، من بنك "ستاندرد تشارترد"، أن الارتباط الإيجابي للذهب مع مؤشر "إس آند بي 500" (S&P 500) بلغ 0.48 على أساس متحرك لمدة 3 أشهر، ووصل إلى 0.69 على أساس شهري.

هل يستعد الذهب للتعافي؟

لقد شهد الذهب عامين متقلبين للغاية؛ فبعد أن قفز بنسبة 65% في العام الماضي -وهو أفضل أداء سنوي له منذ سبعينيات القرن العشرين- كان من المتوقع حدوث نوع من إعادة التوازن هذا العام.

وقد فقد الذهب نحو ربع قيمته منذ الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير؛ إذ أدى ارتفاع أسعار الطاقة وتوقعات تشديد السياسة النقدية إلى تراجع جاذبية هذا المعدن الذي لا يدر عائداً.

وتراجع الذهب بنسبة 9% منذ بداية العام، ما يجعله الأسوأ أداءً -من حيث العوائد الدولارية منذ مطلع العام- ضمن قائمة "بنك أوف أمريكا" التي تضم 14 فئة من الأصول الرئيسية. وهذا الأداء أسوأ بشكل ملحوظ حتى من أداء السندات الحكومية، التي كانت تقدم -قبل أسابيع قليلة فقط- أعلى عوائد لها منذ ربع قرن.

هل حان وقت الارتداد؟ إذا كنت تؤمن بمبدأ "العودة إلى المتوسط"، فالإجابة هي نعم؛ إذ يُعد الذهب فئة الأصول الأكثر تعرضاً لعمليات بيع مفرطة (oversold) في تصنيف "بنك أوف أمريكا"، حيث يتم تداوله عند مستوى يقل بنحو 10% عن متوسطه المتحرك لمدة 200 يوم مقوماً بالدولار. وفقاً لهذا المقياس، يُعد الذهب في حالة "تشبع بيعي" تفوق حالة السندات الحكومية بنحو 5 أضعاف؛ وهو ما يضعه في مصاف أسواق أخرى -مثل الأسهم الصينية والبرازيلية- التي تصدرت العناوين أخيرا لأسباب سلبية.

ولكن، ما الذي قد يؤدي إلى تعافي الذهب؟ على الأرجح، لن يكون السبب هو المزيد من الاضطرابات في أسواق الأسهم؛ فإذا تسببت خسائر الأسهم في نشوء حاجة إلى السيولة، فمن المرجح أن يتجه المستثمرون إلى بيع الذهب بدلاً من شرائه. وقد كتب إنجلاندر وكوبر يوم الجمعة: "على المدى القصير، من المرجح أن يطغى دور الذهب كأداة لتوفير السيولة -وتلبية الحاجة إلى النقد- على دوره كملاذ آمن". وربما يكون هذا صحيحاً؛ بل ربما حان الوقت للتساؤل عما إذا كان الذهب قد فقد مكانته كملاذ موثوق به في أوقات الأزمات.

كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية