محمد كركوتي
لا وقت أمام أوروبا للانتظار حتى تزول "الغيمة الأمريكية الجديدة" عليها. المواقف والتوجهات، بل وحتى الإستراتيجية واضحة، هناك تحول في شكل "التحالف" التقليدي بين القارة العجوز والولايات المتحدة، ولم يظهر هذا التحول في منتدى "دافوس" الأخير، الذي شهد تلاسناً غير مسبوق بين الرئيس دونالد ترمب وعدد من القادة الأوروبيين، بل بدأ في الواقع بالفترة الأولى لهذا الرئيس. الأوروبيون "ارتاحوا" في ظل إدارة الرئيس السابق جو بايدن، ولم يضعوا، أية مخططات لمواجهة تحولات كتلك التي أتى بها ترمب معه مجدداً إلى البيت الأبيض. الرجل كان واضحاً منذ اليوم الأول، لا أهمية لتحالفات يعتقد أنها لم تعد ذات جدوى، خصوصاً أنها مكلفة لبلادة بصورة لا يمكنه قبولها.
"معركة" منتدى "دافوس"، أظهرت للأوروبيين أنه لا بد من الاعتماد الكامل على أنفسهم، حتى فيما يتعلق بقضايا ينبغي أن تكون الولايات المتحدة عنصراً أساسياً فيها. كما أنه يجب عدم التمسك بآمال وصول إدارات أمريكية جديدة، تؤمن بمبدأ التحالف الغربي القديم. فلا أحد يضمن طبيعة هذه الإدارات، في ظل تحولات انتخابية على الساحة الأمريكية. "هجوم" ترمب على الأوروبيين في "دافوس" عده البعض فرصة سانحة لهؤلاء لإدارة ترتيب البيت من الداخل، بل ومناسبة لإعادة بريطانيا التفكير في مسألة انفصالها عن الاتحاد الأوروبي "بريكست"، خصوصاً بعد أن شمل "الهجوم الترمبي" المملكة المتحدة، التي تمتعت حتى في فترة وجود ترمب بالبيت الأبيض، بعلاقة مميزة مع الولايات المتحدة.
أمام أوروبا مساحات ضيقة للغاية للمناورة أو لدفع البيت الأبيض لإعادة صياغة توجهاته الحالية خصوصاً الاقتصادية منها والدفاعية. لا عودة للوراء. الإنفاق العسكري ينبغي أن يرتفع في الفترة المقبلة، بالرغم من أنه زاد بالفعل بفعل ضغوطات ترمب قبل أشهر، والاتحاد الأوروبي فتح آفاقا جديدة لاتفاقات تجارية في كل الاتجاهات، بما في ذلك مع الصين، التي نالت أخيراً معاملة كندية خاصة، أتت كردة فعل لرئيس الوزراء مارك كارني، من توجهات ترمب حيال بلاده و"الحلفاء" عموماً.
ولا شك في أن بريطانيا بحكومتها المعتدلة الحالية تتحين الفرصة، لإقامة مزيد من العلاقات القوية مع الاتحاد الأوروبي في المرحلة المقبلة، بما في ذلك، إمكانية طرح الفكرة التي ينتظرها المؤيدون لأوروبا وهي عودة لندن إلى المنطقة الجمركية الموحدة.
لم يتهدد الكيان الغربي (بمفهومه التقليدي) بهذه الصورة، منذ الحرب العالمية. المسألة لا ترتبط فقط بالجانب العسكري الأمني فقط، والمواجهة مع قوى مثل الصين وروسيا، بل تشمل أساساً الجانب الاقتصادي الذي يحاول دونالد ترمب إعادة صياغته، بأوامر تنفيذية (وليس تشريعية)، منطلقاً من شعاره "أمريكا أولاً". فهو مؤمن تماماً، بأن هذه الأخيرة تعرضت لـ"الظلم" على مدى عقود.
كاتب اقتصادي
