د. محمد آل عباس
يعد نموذج النمو الشهير سولو-سوان الذي طوره روبرت سولو وتريفور سوان عام 1956، أنسب طريقة لتتبع النمو الاقتصادي الذي مضت فيه دولة ما عبر التاريخ، فالنمو الاقتصادي عبر الزمن يتحدد من خلال تفاعل 3 عناصر هي رأس المال المادي واليد العاملة والتقدم التكنولوجي، وبينما يشير رأس المال إلى المصانع والآلات والطرق والموانئ وشبكات الكهرباء والمياه وغيرها من الأصول التي تُستخدم في عملية الإنتاج، فإن اليد العاملة ترتبط بعدد العاملين.
ويعمل التقدم التكنولوجي لتحسن هذه العوامل عبر الزمن، لكن نسخة مطورة من هذا النموذج في سبعينيات القرن الماضي عدلت مكانة التقدم التكنولوجي ليصبح أهم عوامل اقتصاد المعرفة وتنمية رأس المال البشري، وبهذا فإن النمو الاقتصادي يستمر على المدى الطويل إذا تحسن التعليم والتدريب والمهارات، وتطورت المؤسسات، باستخدام تقنيات تكنولوجية أكثر حداثة وكفاءة. فهل يمكن لنا قراءة تاريخ الاقتصاد السعودي باستخدام نموذج سولو–سوان والتطورات التي لحقت به.
قبل توحيد السعودية، لم يكن هناك اقتصاد مخطط له، فلا رأسمال ولا بنية تحتية واليد العاملة مشتتة، لكن بعد توحيد السعودية 1932، تأسيس وزارة المالية لتصدر أول ميزانية رسمية للسعودية في عهد المؤسس الملك عبدالعزيز عام 1933، وبلغت قيمتها نحو 14 مليون ريال سعودي، كانت إيراداتها من الجمارك البسيطة، والزكاة، مع بعض عوائد خدمات البريد والبرق، واستخدام وسائل النقل في الحج، هكذا بدأنا بلا رأسمال ولا يد عاملة مدربة، فضلا عن وجود تقنية.
لكن النفط شكل بداية مهمة للتغيير رغم الحروب العالمية حينها، فحقوق الامتياز مكنت من اكتشاف النفط بكميات تجارية لتصديره عام 1939، ما وفر موردًا ماليًا واسعًا مكّن الدولة من تمويل استثمارات ضخمة لبناء أول رأسمال مادي حقيقي وفقًا لنموذج سولو–سوان، حيث تم تحويل إيرادات النفط إلى بناء طرق والموانئ والمطارات وشبكات الكهرباء والمياه وبناء مدارس ومستشفيات، فانخفضت تكاليف النقل، وتوسعت التجارة بسرعة، ومع الكهرباء والمياه بدأت المدن في التطور والمصانع بالعمل، بينما دعمت المدارس والمستشفيات نمو اليد العاملة وتحسين نوعيتها، ولأن نموذج سولو–سوان يرى تراكم رأس المال أساسا فقد كان لا بد من بناء نموذج مالي يحقق الادخار والاستثمار ويدعم المؤسسات القادرة على توجيه الموارد بكفاءة، فكان بناء نظام نقدي ومصرفي ضروري لاستدامة النمو، فتم تأسيس مؤسسة النقد العربي السعودي عام 1952 (البنك المركزي حاليا) لتنظيم العملة، والمحافظة على الاستقرار النقدي، وإدارة الاحتياطيات، ودعم نمو القطاع المالي. وهنا يجب أن نلاحظ بأن هذه العبقرية للمؤسس رحمه الله كانت قبل ابتكار نموذج سولو-سوان نفسه عام 1956.
هذه التطورات العلمية في الاقتصاد والتي تزامنت مع التطورات في إيرادات الدولة التي بلغت 1970 أكثر من 5 مليارات ريال، اقتضت تغيرات في نمذجة الاقتصاد السعودي بتخطيط مركزي لقيادة النمو المطلوب في رأس المال واليد العامله من خلال مشاريع التنمية التي رسمت استثمارات الدولة في الطرق والمطارات والموانئ والكهرباء والمياه والتعليم والصحة، فتوسعت المدن وارتبطت المناطق بشبكات نقل وخدمات أكثر كفاءة.
ووفقا لنموذج سولو–سوان فالطريق والميناء والمدرسة والجامعة والمستشفى في كل مدينة ليست مجرد مرافق خدمية، بل أصول تزيد قدرة الاقتصاد على الإنتاج، وكلما توسعت هذه الأصول وتحسنت جودتها، ارتفعت إنتاجية العامل، وتراجعت تكلفة ممارسة النشاط الاقتصادي. وقد استمرت هذه المرحلة زهاء 4 عقود تم خلالها تحقيق قفزة هائلة جدا في تطوير هيكل الحكومة بإنشاء وزارات عدة، أسهمت في بناء واستدامة البنية التحتية للصناعة والتجارة.
وكان من أبرز محطات الاقتصاد السعودي الاتجاه إلى التصنيع بإنشاء صندوق التنمية الصناعية السعودي وفي 1975 أُنشئت الهيئة الملكية للجبيل وينبع لتطوير المدينتين الصناعيتين، ثم تأسست الشركة السعودية للصناعات الأساسية «سابك» 1976، كما بدأت شركات الأسمنت تتزايد مع نمو في الصناعات البتروكيماوية وبدء تداول أسهمها في سوق مالية عبر البنوك، و أنشئ صندوق الاستثمارات العامة ليكون أداة تمويل واستثمار للمشاريع ذات الأهمية الاقتصادية لدعم الشركات الوطنية والقطاعات الواعدة والاستثمارات المحلية والدولية.
وخلال 6 عقود تقريبا تطورت الميزانية حتي بلغ إنفاق الدولة عام 2015 ذروة تلك المرحلة بأكثر من تريليون ريال، بينما بلغ الناتج المحلي 2.6 تريليون ريال. نعم، لقد نجحت الحكومة السعودية خلال هذه الرحلة من التخطيط الاقتصادي الموجَّه بالخطط الخمسية في تحقيق نجاح كبير في النمو الاقتصادي، وبناء رأسمال مادي قوي ومتين، وتطوير اليد العاملة، وتحقيق تقدم تكنولوجي مناسب.
لكن نموذج سولو-سوان يقول بأن رأس المال المادي يتآكل عبر الزمن فيتباطأ النمو ما لم يتم تحصينه بالتقدم التكنولوجي، ولقد بدأت ملامح ذلك مع تأثر الاقتصاد بتقلبات سوق النفط، فبينما بلغ النمو ذروته عام 2010 عند 5% فقد تراجع إلى 1.7 % عام 2016.
وكان لا بد من التحول إلى نموذج النمو من الداخل وهو النسخة المطورة من نموذج سولو-سوان من خلال النظر بعين الاعتبار لتنويع الاقتصاد بعيدا عن النفط من خلال الاعتماد أكثر على التقدم التكنولوجي وتطوير قوة العمل من خلال التدريب واكتساب المهارات والخبرات، وتحسين الإنتاجية عبر إدخال التقنيات وأساليب الإدارة الحديثة فكانت رؤية السعودية 2030 التي انطلقت 2016.
وفقا للسياق فإن الاختلاف الأبرز الذي قدمته الرؤية هو إعادة هيكل الحكومة ومن ثم إعادة تطوير الميزانية العامة لتحقيق توازن مالي يساعد على تحقيق الاستخدام الأمثل لرأس المال المادي، مع تنويع واسع بدخول قطاعات الاقتصاد الرقمي والخدمات اللوجستية، والقطاع السياحي والترفيهي، ولم تعد الموانئ والمطارات والمناطق الاقتصادية تخدم السوق المحلية فقط، بل تهدف إلى ربط السعودية بسلاسل التجارة العالمية لتصبح أفضل خيار عالمي، وهذا تطلب بنية تقنية بتطوير شبكات الاتصالات والبيانات لرفع إنتاجية الشركات وتسهل تقديم الخدمات، كما سعت الرؤية إلى زيادة إسهام القطاع الخاص، وتحسين بيئة الأعمال، بدعم السوق المالية وتطوير أدواتها ودعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتسهيل الوصول إلى التمويل والأسواق.
وفي مجال تطوير رأس المال البشري وفقا للنموذج المطور ركزت رؤية السعودية 2030 على تطوير التعليم والتدريب، وتمكين الشباب، وزيادة مشاركة المرأة، ورفع مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل. وفي مجال تطوير الابتكار ولتقدم التكنولوجي سعت الرؤية لإحداث تحول رقمي كأحد أهم مصادر رفع الإنتاجية فتبنت ودعمت المنصات الرقمية والحوسبة والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات التي أسهمت في تقليل الوقت والتكلفة، وتحسين اتخاذ القرار، ورفع كفاءة الخدمات الحكومية والخاصة.
فالاقتصاد السعودي وفقا لرؤية السعودية 2030 لا يركز فقط على استيراد التقنية واستخدامها، بل تسعى أيضًا إلى توطينها، وتطوير الكفاءات القادرة على إنتاجها، وربط الجامعات والشركات ومراكز البحث باحتياجات الاقتصاد، ورغم كل التحديات الجيوسياسية التي واكبت مرحلة رؤية السعودية 2030، فإن النمو عاد مجددًا، فبلغ متوسط النمو 3.2%، وبلغ الناتج المحلي قيمة قياسية عند 4,788.5 مليار ريال، وبلغ الإنفاق الحكومي 1,336 مليار ريال، ومع تسابق الشركات الحكومية والهيئات لإطلاق منتجاتها السياحية، والرقمية، وفي هذا العام 2026 كشفت شركة «سير» عن نماذج من المركبات الكهربائية السعودية نحو توطين صناعة السيارات والتقنيات المرتبطة بالطاقة النظيفة، في خطوة تظهر الرحلة الطويلة للاقتصاد السعودية من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد المعرفة.
أكاديمي وباحث وكاتب اقتصادي

