الثلاثاء, 13 أكتوبر 2026|1 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية


دانييل موس

@Moss_Eco

تزايد الصدمات الاقتصادية والجيوسياسية يدفع البنوك المركزية إلى إعادة النظر في آليات استهداف التضخم

تحديات الاضطرابات الجيوسياسية والذكاء الاصطناعي وتغير سلاسل الإمداد تجعل تحقيق مستهدفات التضخم أكثر صعوبة

خبراء يدعون إلى منح البنوك المركزية مرونة أكبر وتحديد أطر زمنية واضحة لإعادة التضخم إلى مستوياته المستهدفة

تحتاج مستهدفات التضخم للبنوك المركزية إلى إعادة تقييم وتطوير لمواكبة تحديات القرن الحادي والعشرين، مثل اضطرابات سلاسل الإمداد والتغيرات التكنولوجية. تقترح كريستين فوربس تحديد إطار زمني واضح لتحقيق الأهداف، مع مرونة في التعامل مع الصدمات. رغم الانتقادات، تبقى مستهدفات التضخم ضرورية لاستقرار الأسعار ونمو الاقتصاد المستدام.

إذا كان الهدف الأساسي للبنوك المركزية هو السيطرة على التضخم، فإن تحديد مستهدفات لمعدلات تغير الأسعار كان دائماً أداة لا غنى عنها. لكن لكي تتمكن هذه المستهدفات من مساعدة الاقتصادات على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، فإنها تحتاج إلى إعادة تقييم.

ولا يقتصر الأمر على مجرد رفع هذه المستهدفات أو خفضها، بل يتعلق بمدى إمكانية تكييفها مع عالم يختلف جذرياً عن ذلك الذي وُلدت فيه. فالبنوك المركزية تعمل اليوم في بيئة سريعة التغير وغير قابلة للتنبؤ، ويمكن أن تتأثر بسهولة باضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، والصدمات السياسية، والأزمات الصحية، فضلاً عن التغيرات التي يُحدثها الذكاء الاصطناعي في سوق العمل وأنماط الإنفاق.

قد تؤدي هذه التحولات إلى تسارع التضخم أو إلى النقيض تماماً، أي الانكماش. وهذا يعني أن البنوك المركزية ستفشل في تحقيق أهدافها المتعلقة بالتضخم بوتيرة أكبر. وربما تكون الأزمات الكبرى خلال العقدين الماضيين، مثل الأزمة المالية العالمية وجائحة كورونا، مجرد مقدمة لما قد يشهده العالم مستقبلاً. ولذلك، بات من الضروري أن يوضح مسؤولو السياسة النقدية، الذين يتعرضون بالفعل لضغوط متزايدة من واضعي التشريعات، ليس فقط توقعاتهم الأساسية لمسار الأسعار، بل أيضاً السيناريوهات البديلة المحتملة.

جدل قديم لكنه يتصاعد

الجدل بشأن مقدار التشديد أو التيسير المطلوب في أسعار الفائدة لتحقيق المستهدفات، التي تبلغ نحو 2% لدى معظم البنوك المركزية، ليس جديداً، لكنه مرشح للتصاعد خلال الفترة المقبلة. فقد أشار أحد أعضاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي خلال نقاش جرى 2007 حول مستهدفات التضخم إلى أن صناع السياسة النقدية لا ينبغي أن يفرضوا سياساتهم على الشركات والمستهلكين بعنف أو بصورة مبالغ فيها. ولم يعتمد الاحتياطي الفيدرالي أهدافاً رسمية لتحقيق استقرار الأسعار إلا بعد ذلك بـ5 سنوات.

وقد نجحت مستهدفات التضخم في توجيه الاقتصاد العالمي لأنها ساعدت على ترسيخ توقعات التضخم لدى الشركات والمستهلكين في الاقتصادات المتقدمة. فمنذ ظهورها لأول مرة في نيوزيلندا، تبنت عديد من البنوك المركزية هذه الأهداف، بما في ذلك البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان وبنك إندونيسيا وبنك الاحتياطي الجنوب إفريقي. لكن التخلي عن هذه المستهدفات سيكون خطأً فادحاً، لأنه في غياب بديل أفضل ستفقد السياسة النقدية مرجعيتها، وستصبح الاقتصادات أشبه بمن يتحرك من دون بوصلة. فمستهدفات التضخم توفر نقطة استرشادية، تماماً كما كان يفعل معيار الذهب أو أنظمة أسعار الصرف التي كانت تديرها الحكومات في العقود السابقة.

بحاجة إلى إعادة تطوير

لكن إذا كان لمستهدفات التضخم أن تستمر، فإنها تحتاج إلى إعادة تطوير. فبعض الاقتصادات الكبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، تعاني منذ سنوات من معدلات تضخم تتجاوز المستويات المستهدفة بشكل طفيف. أما في منطقة اليورو، فقد ارتفع معدل التضخم بصورة ملحوظة منذ اندلاع حرب إيران، وهو الآن أقل بقليل من 3%. ومن خلال إبقاء التضخم ضمن مستويات محدودة سنوياً، يمكن للاقتصاد أن ينمو بصورة مستدامة. لكن كيف يمكن للبنوك المركزية أن تطمئن الناس إلى أن التضخم لن يتحول إلى مشكلة؟ لا بد من وجود إطار واضح يستند إلى قواعد راسخة ومفهومة للجميع، مع التأكيد على أن التواصل الفعال والموثوق يمثل عنصراً أساسياً في هذا الإطار.

لاجارد: المركزي الأوروبي يحتاج مرونة في قراراته

تقترح أستاذة الاقتصاد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، كريستين فوربس، إضافة مهمة تتمثل في تحديد إطار زمني واضح نسبياً لإعادة التضخم إلى المستوى المستهدف في حال استمر انحرافه لفترة طويلة.

فقد أشار بنك إنجلترا إلى استعداده لإعادة التضخم إلى مستوى 2% خلال 3 سنوات، بينما أوضح بنك الاحتياطي الأسترالي أن اتباع سياسة مرتفعة التشدد ورفع أسعار الفائدة بوتيرة كبيرة قد يعيد التضخم سريعاً إلى المستوى المستهدف، لكن ذلك سيكون على حساب معدلات البطالة.

مرونة أكبر لمعدل التضخم المستهدف

ترى فوربس التي كانت مسؤولة سابقة عن تحديد أسعار الفائدة في بنك إنجلترا، أن عدداً أكبر من البنوك المركزية ينبغي أن يحدد إطاراً زمنياً تدريجياً وواضحاً لتحقيق أهداف التضخم، مضيفة: "لا ينبغي أن يكون البنك المركزي ملزماً بتحقيق الهدف كل شهر في كل مرة تدفع الصدمات العالمية معدل التضخم بعيداً عن مساره. الأهم هو اتجاه التضخم والمسار الذي يسلكه، وليس تحقيق الهدف بصورة آنية". ولتحقيق ذلك، يتعين على مسؤولي البنوك المركزية التحلي بقدر أكبر من المرونة، لأن الصدمات التي سيواجهونها في المستقبل لن تكون محلية فحسب.

فإلى جانب المهام التقليدية المتمثلة في ضبط الأسعار وتجنب حالات الركود والاستجابة لتقلبات أسعار الصرف، واجه رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي السابق، جيروم باول، الذي انتهت ولايته التي استمرت 8 سنوات في مايو الماضي، سلسلة من الأزمات غير المسبوقة، بدءاً من جائحة كورونا وما نتج عنها من ارتفاع حاد في التضخم، مروراً بالحرب الروسية في أوكرانيا، وصولاً إلى الصراع في الشرق الأوسط وسياسات غير تقليدية تبناها البيت الأبيض. ومن المرجح أن تعود بعض التحديات التي واجهها باول للظهور مجدداً.

في المقابل، قد تتراجع أهمية النماذج الجامدة المستخدمة في تحديد أسعار الفائدة، ولا سيما مستهدفات التضخم. فقد انتقد رئيس الاحتياطي الفيدرالي الحالي، كيفن وارش، صناع السياسة النقدية الذين يبالغون في التركيز على "رقمين يقعان إلى يمين الفاصلة العشرية" في أحدث البيانات الحكومية. ومع ذلك، شدد وارش على أن مستهدف التضخم يظل هدفاً راسخاً ومهماً، ولا ينبغي التخلي عنه قبل تحقيق النصر.

استقرار الأسعار الهدف الأسمى للبنوك المركزية

يبقى استقرار الأسعار، مهما اختلفت طريقة تعريفه، الهدف الأسمى للسياسة النقدية. فليس هناك كثير من الأمور التي تضر بالمجتمعات أشد من اعتقاد المواطنين بأن قدرتهم الشرائية ستتراجع بشكل كبير عاماً بعد عام.

وفي غياب نمو الدخل، يؤدي التضخم إلى تآكل قدرة الأفراد على توفير الاحتياجات الأساسية، مثل الغذاء والسكن والملابس. وقد يكون ارتفاع الأسعار بوتيرة محدودة أمراً إيجابياً، لأنه يعكس اقتصاداً نشطاً وحيوياً. لكن استمرار التضخم المرتفع لفترة طويلة قد يدفع الناس إلى فقدان الثقة في الأنظمة المالية والسياسية القائمة.

وغالباً ما يُربط تدهور قيمة العملة في الإمبراطورية الرومانية بأفول تلك الإمبراطورية، كما شهدت الصين موجات من التضخم المفرط قبل وصول الشيوعيين إلى السلطة عام 1949. وعلى نطاق أقل حدة، أسهمت سنوات التضخم الذي تجاوز 10% في إضعاف حكومة حزب العمال البريطاني في أواخر سبعينات القرن الماضي، ومهدت الطريق لصعود حقبة رئيسة الوزراء مارجريت تاتشر.

أما اليوم، فقد استعادت أزمة ارتفاع تكاليف المعيشة تأثيرها السياسي. إذ تُظهر استطلاعات الرأي حالة من الاستياء تجاه طريقة تعامل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مع الاقتصاد، ولا سيما استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة. كما أدى ارتفاع الأسعار إلى تصاعد ردود الفعل المناهضة للحكومات القائمة في دول عدة، من بينها أستراليا.

نيوزيلندا أول دولة تستحدث معدل 2%

طريقة اعتماد نيوزيلندا، الدولة المعزولة، معدل تضخم مستهدف عند 2%، والذي أصبح لاحقاً معياراً تتبعه البنوك المركزية حول العالم، جاء إلى حد كبير بمحض الصدفة. ففي عام 1988، وبعدما تراجع معدل التضخم أخيراً إلى أقل من 10%، سأل أحد الصحفيين وزير المالية النيوزيلندي آنذاك، روجر دوجلاس، عما إذا كان راضياً عن ذلك. فجاءت إجابته بالنفي، قائلاً إن المعدل يجب أن يكون صفراً أو يراوح بين صفر و2%.

وقال دون براش الذي تولى رئاسة بنك الاحتياطي النيوزيلندي بعد ذلك بوقت قصير: "اعتقد معظم العاملين في البنك المركزي أن هذا الطرح كان ضرباً من الجنون". لكنه أضاف أن المسؤولين اضطروا إلى محاولة تحقيق هذا الهدف، قائلاً: «وعلى نحو أدهش موظفي البنك المركزي، نجحنا في تحقيقه".

لكن الفكرة لم تحظَ بإجماع كامل، إذ واجهت معارضة من شخصيات بارزة. فقد اعتبر بول فولكر الذي يُكنّ له التقدير لدوره في القضاء على التضخم الأمريكي الذي تجاوز 10% في الولايات المتحدة خلال أوائل ثمانينيات القرن الماضي، أن الاعتقاد بإمكانية تحديد المستوى المناسب للتضخم بهذه الدقة مجرد وهم.

أما آلان جرينسبان، الذي خلف فولكر في رئاسة الاحتياطي الفيدرالي، فقد أبدى انزعاجه من فكرة تحويل مستهدفات التضخم إلى أرقام محددة، خشية أن يؤدي ذلك إلى فقدان صناع السياسة النقدية لسلطتهم التقديرية.

ورغم أن أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة توصلوا إلى توافق حول اعتماد معدل تضخم مستهدف عند 2% في منتصف التسعينيات، فإن هذا التوجه ظل سرياً لفترة طويلة. ولم يُعلن عنه رسمياً إلا بعد أكثر من عقد، عندما قرر رئيس الاحتياطي الفيدرالي آنذاك، بن برنانكي، تبني نهج أكثر شفافية.

لكن هذه المستهدفات لم تكن مصممة في الأصل لتكون قواعد صارمة لا تقبل الاستثناء. ففي الواقع، تُحدد هذه الأهداف بالاستناد إلى التوقعات المستقبلية، وليس إلى أحدث البيانات فقط، التي قد تخضع للمراجعة لاحقاً. وكان الهدف دائماً هو توفير هامش من المرونة يسمح للبنوك المركزية بالتعامل مع الصدمات غير المتوقعة والاستثنائية.

تعديل المعدل المستهدف حدث سابقاً

إدخال تعديلات على مستهدفات التضخم ليس أمراً جديداً. ففي نيوزيلندا، جرى توسيع النطاق المستهدف للتضخم ليصبح بين 1% و3% على المدى المتوسط، مع اعتبار مستوى 2% النقطة الأمثل. أما في المملكة المتحدة، فقد تغير المستهدف من 2.5% عند منح بنك إنجلترا استقلاليته  1997 إلى المستوى الحالي البالغ 2%. كما توجد آلية أمان؛ فإذا تجاوز التضخم المستوى المستهدف، يصبح محافظ بنك إنجلترا ملزماً بتوجيه رسالة إلى وزارة الخزانة يوضح فيها أسباب الانحراف عن الهدف، والخطوات التي سيتخذها لإعادة التضخم إلى الهدف.

لكن الإفراط في المرونة ليس مفيداً أيضاً، لأنه قد يدفع الناس إلى التساؤل عما إذا كانت هذه المستهدفات لا تزال تحمل أي معنى. ولا يكمن الحل في تقييد حرية صناع السياسة النقدية في التعبير عن آرائهم، وهو التوجه الذي يبدو أن كيفن وارش يؤيده، بل في إيصال الرسالة الصحيحة بشأن كيفية النظر إلى هذه الأهداف. وينبغي أن يصاحب ذلك شرح واضح لأسباب الانحراف عن المستهدف، والمدة المتوقعة لاستمراره، والسيناريوهات المحتملة خلال تلك الفترة.

هل ينبغي أن تتحدث البنوك المركزية بدرجة أقل، كما يقترح وارش؟ ربما. لكن من الصعب توضيح أن هذه المستهدفات تتمتع بقدر من المرونة من دون التحدث بصراحة عن احتمالات تحقيقها أو الإخفاق في ذلك.

هل حالف الحظ البنوك التي استهدفت التضخم؟ خلال تسعينيات القرن الماضي، تراجعت آثار صدمات النفط التي شهدها العقد السابق، كما أدى انضمام الصين إلى الاقتصاد العالمي إلى انخفاض كبير في تكاليف السلع المصنعة. وفي الوقت نفسه، فقدت النقابات العمالية كثيراً من نفوذها السابق، وأصبحت الإضرابات أقل تأثيراً، فيما شهدت الأجور زيادات محدودة.

لكن البيئة الاقتصادية خلال ما تبقى من القرن الحادي والعشرين ستكون أكثر تعقيداً. ولذلك، سيحتاج كيفن وارش، ومن سيخلف كريستين لاجارد في رئاسة البنك المركزي الأوروبي العام المقبل، إلى الاستفادة من جميع الأدوات المتاحة أمامهما. لا تزال مستهدفات التضخم قادرة على إثبات فاعليتها مجدداً، شرط تطويرها وتحديثها، سواء من الناحية الفنية أو على مستوى الخطاب والتواصل، بما يتناسب مع متطلبات العصر الجديد.

كاتب عمود في بلومبرغ يغطي الاقتصادات الآسيوية. المحرر التنفيذي لأخبار بلومبرغ للاقتصاد العالمي سابقا، وقاد فرقًا في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية

خاص بـ"الشرق  بلومبرغ"

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية