مع اندلاع الأزمة الحالية واستخدام ممرات مائية كأوراق ضغط جيوسياسية، توجهت الأنظار إلى السعودية كبديل قوي جاهز لتعويض صدمة التجارة وتوقف الإمدادات، وذلك على مستويات متنوعة تبدأ من النفط ولا تنتهي عند البضائع. هذه الأهمية شارك في صياغتها الجغرافيا والرؤية بعيدة المدى، فالسعودية بموقعها الممتد من سواحل الخليج إلى البحر الأحمر شكلت تاريخياً شريانا للتجارة. هذه الجغرافيا عززتها رؤية طموحة على مدى أجيال، ركزت على تطوير البنية التحتية وبناء شبكات متكاملة للتجارة لا تخدم فقط مستهلكي السوق المحلية، وإنما العمق الخليجي والعربي وحتى العالمي.
مع إغلاق مضيق هرمز برز خط أنابيب شرق-غرب كبديل لنقل النفط عبر البحر الأحمر بطاقة استيعابية تبلغ 7 ملايين برميل يومياً، وقدرة تصديرية وصلت إلى 5 ملايين برميل يومياً أثناء الأزمة. هذا الخط الإستراتيجي المرتبط ببنية تحتية متقدمة مثل: الموانئ كان له أثر هائل في تجنيب العالم صدمة غير مسبوقة في أسعار الطاقة، حيث وفر ما يقرب من 5% من استهلاك الاقتصاد العالمي اليومي من النفط الخام، ما قلص فجوة الإمدادات من مصادر الإنتاج في المنطقة، وجنب الدول والشركات والمستهلكين سيناريو قاسٍ في أسعار النفط ومن ثم التضخم.
المضائق لا تنقل الطاقة فقط، وإنما تمثل شرايين حيوية لسلاسل إمداد الصناعة والغذاء. وقد أطلقت المملكة مبادرة المسارات اللوجستية لربط موانئ الساحل الغربي على البحر الأحمر بشبكة من الممرات البرية مع دول الخليج، ما يسهل حركة تبادل البضائع، ويضع المملكة كمركز ومحور تجاري حيوي بين دول المنطقة.
هذه المبادرة تبعها أخرى تقوم على تعزيز الربط والتكامل اللوجستي الإقليمي، معتمدة على بنية تحتية متقدمة من السكك الحديدية والموانئ والمنافذ البرية، مع خطط طموحة لتوسعات مستقبلية.
ورغم ما يصيب المملكة من أضرار في المدى القصير بسبب الأزمة، فإنه يعطيها فرصة مهمة للتحول إلى مركز لوجستي متكامل، يعمل كممر لتدفق السلع من وإلى الأسواق الإقليمية والعالمية، ويتموضع مركزا لإعادة التصدير لكثير من السلع المتدفقة بين الأسواق في آسيا وأوروبا وإفريقيا.
هذا التكامل التجاري سيفتح الباب على مصراعيه لتدفقات استثمارية محلية وأجنبية في قطاعات صناعية وإنتاجية في السوق المحلية بوصفها فرصة استثنائية، فالمستثمر وبخاصة الأجنبي عند نقطة معينة سيفضل إعادة التموضع ونقل منشآت الإنتاج لدول تجنبه مخاطر الشحن وتكاليف الطاقة وتوفر له سلاسل متكاملة للتوريد وبنية تحتية متقدمة وحوافز إنتاجية غير متاحة في الأسواق التقليدية.
وتواجه رؤية السعودية عوائق يمكن أن تعطل الجهود، في مقدمتها حالة الاختناق الجيوسياسي واتساع نطاق النزاعات في المنطقة، بما يترتب عليه من استخدام ممرات تجارية مثل باب المندب كورقة وعقبة في مسارات تدفق السلع والبضائع من الموانئ في المملكة. كما أن اتساع رقعة التوتر في المنطقة قدر تترك تأثيرا جاذبية الاستثمار، وبخاصة في ظل ارتفاع مستويات عدم اليقين في الاقتصاد العالمي.
العائق الآخر هو التكلفة المالية. فبناء شبكة متكاملة من البنية التحتية مثل السكك الحديدية والموانئ تحتاج إلى استثمارات ضخمة، كما أنها تأتي بالتوازي مع أولويات مهمة لصانعي السياسات مثل التخفيف من صدمة التضخم على المستهلكين ودعم القطاعات الأكثر تضرراً. ولكن هذه العوائق يمكن تجاوزها، سواء عن طريق تعزيز التعاون الدولي لضمان أمن الملاحة في المضائق المائية، عبر تشكيل تحالف عالمي لحماية حرية التجارة في الممرات الإستراتيجية، يسمح للسفن بالعبور دون مخاطر أو تكاليف إضافية مثل دفع رسوم.
كما أن التمويل يمكن حله عبر تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص عبر نماذج مبتكرة للتنفيذ مثل نموذج (BOT) أو ما يعرف بعقود البناء والتشغيل والتحويل. حيث تضمن عدم تحميل الميزانية تكاليف، مقابل المضي قدماً في تنفيذ مشاريع بنية تحتية ذات أولوية تخدم أهداف الرؤية وتعزز من موقع المملكة كمركز تجاري ولوجستي رئيسي في الإقليم.
في الختام فقد أوجدت الحرب الدائرة فرصة مثالية للسعودية لتحويلها إلى مصدر موثوق للنقل والتجارة في المنطقة. وقد التقط صانعو السياسات الفرصة بحماسة وبدأت مسارات جديدة تتخطى الحواجز التقليدية تربط الأسواق، وتعظم الاستفادة من قدرات البنية التحتية، وتفتح الأبواب أمام تدفق سلس للتجارة. بما يذكرنا بمكانة السعودية التجارية التاريخية، فرحلة الشتاء والصيف من مكة المكرمة تحولت اليوم لمسارات تنطلق وتخدم جميع الأمم في كوكبنا.
مستشارة اقتصادية
