محمد الماضي
اعتماد الإستراتيجية الوطنية لقطاع التأمين لا يمكن قراءته بوصفه إجراء تنظيميا تقنيا فحسب، بل بوصفه تحولا في نموذج بناء السوق. فالمستهدفات المعلنة تبرز بوضوح أن الرهان لم يعد على نمو الأقساط وحده، بل على إعادة تشكيل القطاع ليصبح أكثر عمقا وكفاءة وتأثيرا في الاقتصاد غير النفطي. ومضاعفة حجم سوق التأمين إلى أكثر من 140 مليار ريال بحلول 2030، ورفع عمق التأمين إلى 3.6% من الناتج المحلي غير النفطي، وزيادة رأس المال المبني على المخاطر إلى 50 مليار ريال، كلها مؤشرات على انتقال الصناعة من مرحلة التوسع الكمي إلى مرحلة النضج المؤسسي.
وعند وضع هذه المستهدفات في سياق دولي، تتضح طبيعة الفرصة أكثر من كونها مجرد أرقام طموحة. فوفق بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، يبلغ متوسط اختراق التأمين عالميا نحو 6.2% من الناتج المحلي في دول المنظمة، مقابل متوسط عام يقارب 5.4% على المستوى العالمي. هذه المقارنة لا تقرأ بوصفها انتقاصا من السوق السعودية، بل بوصفها مؤشرا على مساحة نمو واسعة لرفع عمق التأمين مقارنة بالأسواق الأكثر نضجا، وأن مستهدف 3.6% يمثل محطة انتقال نحو سوق أعمق وأكثر رسوخا، لا سقفا للنمو. ومن ثم، فإن توسع القطاع المتوقع يفهم بوصفه مسارا هيكليا طويل الأجل أكثر من كونه موجة مؤقتة مرتبطة بدورة اقتصادية.
غير أن هذا النمو لن يتوزع بالتساوي بين جميع اللاعبين. فالتحول نحو نموذج رأس المال المبني على المخاطر (RBC) يفرض واقعا جديدا، إذ إن الشركات التي تعتمد على النمو السريع عبر تسعير منخفض أو توسع غير منضبط ستواجه ضغوطا مباشرة على رأس المال وربحية النشاط، بينما ستستفيد الشركات القادرة على اختيار المخاطر بعناية وتسعيرها بشكل أدق، وإدارة المطالبات بكفاءة أعلى. بمعنى آخر، المرحلة المقبلة تكافئ الجودة لا الحجم.
الأمر نفسه ينطبق على ملف إعادة التأمين. أحد أهداف الإستراتيجية يتمثل في رفع القدرة الاستيعابية للسوق وتعزيز الاحتفاظ بالمخاطر محليا. هذا التحول لا يحمل بعدا فنيا فقط، بل بعدا اقتصاديا واضحا، لأنه يقلل تسرب جزء من القيمة إلى الخارج، ويعزز بقاء الأقساط والأرباح داخل الاقتصاد المحلي، ما يجعل قطاع التأمين عنصرا أكثر تأثيرا في المنظومة المالية.
أما التحول الهيكلي فيكمن في مسار التقنية والبيانات والذكاء الاصطناعي. هذا المحور يمثل جوهر التغيير الحقيقي في صناعة التأمين عالميا، وليس استثناء في السعودية. تحديث البنية الرقمية، وتوحيد البيانات ورفع حوكمتها على مستوى القطاع، وتمكين التحليلات المتقدمة، كلها خطوات تعيد تعريف المنافسة من منافسة على السعر والتوزيع إلى منافسة على دقة التسعير وسرعة المطالبات وجودة الخدمة.
ومع ذلك، لا تزال الفجوة الأكبر قائمة في مجالات أكثر عمقا مثل أتمتة المطالبات والتسويات، وتحليل البيانات، وكشف الاحتيال، وبناء نماذج اكتوارية قائمة على البيانات. وهذه المساحات تحديدا هي التي تحمل أكبر فرص القيمة غير المستغلة في القطاع.
وفي ظل هذا التحول، يصبح من الطبيعي أن تتجه السوق تدريجيا نحو مزيد من التركز. فارتفاع متطلبات الملاءة وضغط الكفاءة التشغيلية سيجعلان الاستمرار أكثر صعوبة على الشركات الصغيرة أو الأقل كفاءة، ما يرجح تسارع الاندماجات وبقاء عدد أقل من اللاعبين، لكن بجودة أعلى.
الصورة الأوضح أن الإستراتيجية الوطنية لقطاع التأمين لا تعد فقط بسوق أكبر، بل بسوق مختلفة. المرحلة المقبلة لن تكافئ من يجمع أقساطا أكثر، بل من يبني نموذجا أفضل عبر توظيف أعمق للبيانات وقدرة حقيقية على إدارة المخاطر. وهذا الفارق هو ما سيحدد من سيقود السوق في المرحلة المقبلة.
كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال
