الثلاثاء, 6 أكتوبر 2026|23 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية


د. أحمد آل درويش

من خلال متابعتي للتطورات العالمية في مراكز البيانات وكفاءة الطاقة، برزت تجربة ولاية تكساس الأمريكية بوصفها تجربة جديرة بالمتابعة والدراسة. ولا أدّعي هنا الاختصاص في التفاصيل الفنية والهندسية المصاحبة، لكنني أنظر إلى الموضوع كباحث اقتصادي يهتم بترابط القطاعات الاقتصادية، واستخدام الموارد والإنتاجية، والأثر التنموي، ومحاولة لفهم لكيفية التوفيق بين جذب الاستثمار والمحافظة على موثوقية شبكة الكهرباء وكفاء توزيع تكاليف توسعتها.

نعلم جميعاً أن مراكز البيانات هي منشآت تضم أعدادا كبيرة من الخوادم التي تخزن البيانات، وتشغّل الخدمات الرقمية، وتنفذ عمليات الذكاء الاصطناعي، وتحتاج هذه الخوادم إلى كهرباء مستمرة وأنظمة تبريد قد تستهلك قدر كبير من المياه، إضافة لحاجتها لشبكة اتصالات سريعة. ومع ازدياد حجم الذكاء الاصطناعي، أصبحت بعض المراكز الجديدة تحتاج إلى كميات كبيرة من الطاقة يقارب بعضها استهلاك مدينة متوسطة الحجم.

اللافت للنظر لنا، هي أن ولاية تكساس تملك موارد كبيرة من الطاقة ومساحات واسعة من الأراضي وبيئة جاذبة للاستثمار، ومع ذلك يستمر النقاش فيها حول مراكز البيانات وكفاءة الطاقة. وفي رأيي المتواضع أن السبب يعود إلى أن وفرة مصادر الطاقة لا تعني بالضرورة قدرة شبكة الكهرباء على إيصال أي كمية مطلوبة إلى أي موقع وفي أي وقت. فقد تتوافر القدرة على إنتاج الكهرباء، ولكن لا تتوفر خطوط النقل والمحطات والشبكات المحلية المهيأة لتلبية الطلب الكبير والمركّز. لذلك، لا تتعلق الكفاءة بكمية الطاقة المتاحة وحدها، بل بكيفية نقلها وتوزيعها، وتوقيت استهلاكها، وقدرة المراكز على خفض طلبها عند تعرض الشبكة الكهربائية للضغط في وقت ما.

حسب المتداول، استطاعت تكساس جذب استثمارات كبيرة لبناء مراكز البيانات، ونمت طلبات الاتصال بالشبكة الكهربائية بسرعة أكثر، ويبدو غير متوافقة بقدرة تحمل الشبكات القائمة. ففي أغسطس الماضي، كانت الجهة المسؤولة عن تشغيل معظم شبكة الكهرباء في الولاية، تنظر في طلبات تبلغ نحو 474 جيجاوات، تمثل مراكز البيانات نحو 90 % منها.

ويزيد ذلك على 5 أضعاف أعلى طلب شهدته تكساس بأكملها خلال السنوات الماضية. ولو استّخدمت هذه القدرة كاملة وبصورة متواصلة لمدة عام، لعادلت حسب الإحصائيات تقريباَ الاستهلاك السنوي لنحو 375 مليون منزلاً في أمريكا، استناداً إلى متوسط استهلاك المنازل الذي تنشره إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.

 لكن هذا الرقم يمثل طلبات أولية بالحد الأقصى، لا استهلاكاً فعلياً، فقد لا يُنفّذ كثير منها، أو قد يتكرر طلبات المشروع نفسه في مواقع مختلفة. وتكمن المشكلة في أن شركات الكهرباء قد تخطط لمحطات وخطوط جديدة، ثم تتأخر بعض المشروعات أو تنتقل إلى موقع آخر، فتتحول الاستثمارات غير المستخدمة بالكامل إلى تكلفة بلا عائد واضح.

لذلك بدأت الولاية بتطوير قواعد تلزم المشروعات الكبيرة بإثبات الجدية والقدرة المالية، والإفصاح عن الطلبات المشابهة في مواقع أخرى، والمساهمة في تكاليف توصيل الكهرباء، وبدأت أيضاً دراسة المشروعات كمجموعات لرؤية أثرها المجمّع على الشبكة.

ومن القواعد التي بدأ تطبيقها أخيراً هو ما يتعلق بمراكز البيانات والربط بمحطات طاقة الرياح، والسماح لتلك المراكز بالتشغيل مع إمكانية مطالبتهم بخفض الاستهلاك مؤقتاً عند تعرض الشبكة لحالة طارئة، لتصبح كهرباء المحطة متاحة لبقية المشتركين، والهدف هنا أن القرب من مصادر الطاقة المتجددة مع أنه ميزة، لكنه لا يُغني عن إدارة توقيت الاستهلاك وأهمية مرونته.

ولتحسين عملية التنظيم، أصدر حاكم الولاية توجيهاً للتحقق من المشروعات المتقدمة للحصول على الكهرباء قبل انتقالها إلى المراحل التالية، وتشمل المعلومات المطلوبة مقدار استهلاك الكهرباء والمياه، ونوع تقنية التبريد، ومدى اعتماد المشروع على الشبكة أو على إنتاجه الخاص، والحوافز العامة والدعم الحكومي، والآثار على المناطق المحيطة. وتمكن هذه المعلومات المنظمين من تقييم الطلبات الحقيقية للمشروع وتكلفته الإجمالية، بدلاً من النظر إلى قدرته الاستثمارية أو التقنية بمعزل عن أثره في الموارد والبنية التحتية.

وحتى نكون منصفين، لا يبدو لنا أن الحلول المقترحة والمتداولة تهدف إلى إيقاف توسع مشاريع مراكز البيانات، بقدر ما هو جعلها متوافقة مع منظومة الطاقة وكفاءة الاستخدام. ومن المقترحات الجدير بالذكر هو أن يضيف مشروع مركز البيانات مصدراً جديداً لإنتاج الطاقة أو تخزينها، ويتحمل تكلفة التوسعات التي يحتاج إليها، ويُخفض جزءاً من استهلاكه في أوقات الذروة، ويستخدم تقنيات أكثر كفاءة لاستخدام المياه والكهرباء.

وفي بداية سبتمبر، بدأت بعض المشروعات تتلقى تصنيفات أولية مشروطة، فيما ظلت الموافقة النهائية مرتبط بإكمال التحقق الفني والمالي. وهذا يعني أن نجاح التوسع لا يُقاس بحجم الاستثمارات وحده، بل بقدرته على النمو من دون تحميل الشبكة القائمة والمستهلكين تكلفته ومخاطره.

ولا يقتصر هذا التوجه على تكساس، فقد ربطت إيرلندا الموافقات الجديدة لمراكز البيانات بتوفير مصادر إضافية لتوليد الكهرباء أو تخزينها، إلى جانب خطة لتغطية 80% من استهلاكها السنوي من مشروعات جديدة للطاقة المتجددة. ويبرز ذلك توجهاً نحو الجمع بين سياسة الحوسبة وسياسة كفاءة الطاقة واستخدام الموارد، فاستضافة مراكز البيانات أصبحت جزءاً من الخيارات الإستراتيجية المتعلقة بأمن الطاقة والمياه وتخصيص الموارد على المدى المتوسط والبعيد.

ختاماً، تُظهر تجربة تكساس أن استضافة مراكز البيانات لم تعد قراراً تقنياً أو استثمارياً فحسب، بل أصبحت جزءاً من سياسة الطاقة وإدارة الموارد. فنجاح هذه المشروعات لا يُقاس بحجم الاستثمارات أو عدد الخوادم، بل بقدرتها على العمل بكفاءة ومرونة، وانسجام مع الشبكات القائمة، وبأثرها على المجتمعات المحيطة. وفرة الطاقة ومساحات الأراضي تمنح نقطة انطلاقة قوية، لكن استدامة هذه الميزة تتطلب تخطيطاً مبكراً، وتوازناً بين جذب الاستثمار وحماية موثوقية شبكات الطاقة، وتوزيع تكاليف التوسع بشكل معتدل. ولا شك أن القدرة على تشغيل مراكز البيانات بكفاءة واستدامة سيصبح أحد أهم مزايا التنافس في الاقتصاد الرقمي القادم، لأنها تحول البنية التحتية من تحمّل العبء إلى رافعة للنمو الشامل والمستدام.

خبير اقتصادي وعضو جمعية الاقتصاد السعودية

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية