الخميس, 22 أكتوبر 2026|10 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

 لا تمر فرنسا بأزمة ديون حتى الآن، لكن الوقت والمال والمساحة السياسية المتاحة أمامها لتجنب مثل هذه الأزمة بدأت تنفد. وبالنسبة إلى أسواق الديون السيادية التي تتسم بنفاد الصبر، قد يستغرق التوصل إلى حل للأزمات المالية والسياسية المتفاقمة في فرنسا شهوراً أخرى، ولا سيما وأن كلاً من هاتين الأزمتين تغذي الأخرى.

وتُعد أعمال الشغب التي شهدتها الشوارع خلال عطلة نهاية الأسبوع، وما تبعها من فرض حظر تجول، أحدث فصول أزمة مالية تتصاعد ببطء منذ عام على الأقل، وقد ازدادت حدتها الشهر الماضي. ومن غير المرجح أن تتضح الصورة قبل 8 أشهر أخرى على الأقل.

وعلى المدى القريب، تبدو التكلفة المباشرة للأضرار التي لحقت بقطاع الأعمال والثقة كبيرة، رغم تحذير الاقتصاديين من الخلط بين تكاليف الإصلاح وبين خسائر الناتج المحلي الإجمالي.

ومع ذلك، تشير تقديرات مستمدة من فترات اضطرابات مماثلة شهدتها فرنسا على مدى السنوات العشر الماضية إلى أن الضربة الأولية للناتج المحلي الإجمالي قد تراوح بين 0.1 و0.2 نقطة مئوية، قبل أن يتم تعويضها لاحقاً.

لكن في سياق المشهد المالي والسياسي الفرنسي الأوسع، يُعد هذا الرقم مؤثراً، خاصة وأن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي لا يتجاوز 0.5% تقريباً. وفي هذا الصدد، يحذر بنك "آي إن جي" (ING) الهولندي من أن فرنسا تدخل في "حلقة مفرغة صعبة".

وكتبت شارلوت دي مونبلييه، الخبيرة الاقتصادية في البنك، يوم الثلاثاء: "لا تملك فرنسا الحيز المالي اللازم لشراء السلم الاجتماعي، ولا المساحة السياسية الكافية لفرض تدابير تصحيحية بسهولة". وأضافت: "ضعف النمو يؤدي إلى تدهور الوضع المالي، والمخاوف بشأن الميزانية تدفع أسعار الفائدة نحو الارتفاع، بينما تزيد الظروف المالية الأكثر تقييداً من الضغوط على النشاط الاقتصادي".

وفي ظل غياب أي إجراء استثنائي من جانب البنك المركزي الأوروبي -وهو أمر مستبعد في الوقت الراهن- لتحقيق الاستقرار، قد يفضل المستثمرون الباحثون عن صفقات مربحة في الأسواق التريث حالياً.

صحيح أن التقلبات الحادة في الأسواق خلال فترات الاضطرابات الاجتماعية أو السياسية قد تؤدي إلى نشوء "علاوة مخاطر"، ما يوفر للمستثمرين على المدى الطويل تعويضاً إضافياً أثناء انتظارهم عودة الأمور إلى طبيعتها، إلا أن هؤلاء المستثمرين يواجهون في الوقت ذاته رياحاً معاكسة قوية.

تستحوذ صناديق التحوط قصيرة الأجل على حصة متزايدة من أسواق السندات الرئيسية، في وقت تعتمد فيه فرنسا بشكل كبير على رؤوس الأموال الأجنبية، وذلك في ظل أزمة سياسية ممتدة تسبق الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل.

حلقة مفرغة

يكمن جوهر المشكلة في أن البرلمان الفرنسي المنقسم يعجز عن إقرار خطة الموازنة الحكومية السنوية، وهي خطوة ضرورية للسيطرة على العجز المتضخم في الموازنة وتراكم الديون.

ويرى بنك "جولدمان ساكس" أنه في حال تعذر التوصل إلى اتفاق، فقد يستمر هذا التجاذب السياسي حتى شهر ديسمبر، ما قد يدفع العجز السنوي في الموازنة إلى بلوغ 6.4% من الناتج المحلي الإجمالي.

وحتى إذا نجحت الحكومة في تمرير حزمة تدابير تقشفية بقيمة 54 مليار يورو (60.7 مليار دولار)، فسيظل العجز عند مستوى 5% أو أكثر من الناتج المحلي الإجمالي للعام الثالث على التوالي، ما سيرفع نسبة الدين العام إلى أكثر من 120% من الناتج المحلي الإجمالي - وهي نسبة لا تتجاوزها في منطقة اليورو سوى إيطاليا. وكانت إصلاحات نظام التقاعد -التي كان من الممكن أن تغير هذا المشهد- قد أُلغيت قبل عام خلال أول مواجهة حول الموازنة.

وقد انعكس هذا الوضع على سوق السندات؛ إذ ارتفعت تكاليف الاقتراض السيادي الفرنسي لأجل 10 سنوات بنحو 1.4 نقطة مئوية منذ منتصف العام، كما تضاعف تقريباً فارق العائد بين السندات الفرنسية ونظيرتها الألمانية لأجل 10 سنوات ليصل إلى أكثر من 150 نقطة أساس. وفي الوقت ذاته، تقلص الفارق بين عوائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات وسندات الخزانة الأمريكية بمقدار 50 نقطة أساس، ليصل إلى أقل من 20 نقطة أساس.

وهذا يؤثر بدوره على حسابات الموازنة؛ إذ تشير التقديرات الحالية إلى أن ارتفاع تكاليف الاقتراض قد يؤدي إلى تضاعف تكاليف خدمة الدين السنوية في فرنسا -التي بلغت العام الماضي 2.2% من الناتج المحلي الإجمالي- لتصل إلى 4% بحلول عام 2030.

ويضع هذا ضغوطاً إضافية على العجز الأولي السنوي (الذي يستثني تكاليف خدمة الدين)، وذلك في حال أرادت فرنسا خفض العجز الإجمالي ليصل إلى النسبة المستهدفة في منطقة اليورو، وهي 3% بحلول 2030.كما أن فرض مزيد من الضغوط المالية على اقتصاد يعاني أصلاً  بطء النمو سيؤدي أيضاً إلى تفاقم نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي.

وقد شهدت الأسهم الفرنسية تراجعاً حاداً، حيث فقدت 10% من قيمتها خلال شهرين، في حين تكبدت أسهم البنوك الكبرى خسائر تجاوزت ضعف هذه النسبة. تشير عقود مبادلة مخاطر الائتمان الخاصة بفرنسا حالياً إلى تصنيف ائتماني سيادي يقل بأربع درجات عن تصنيفها الحالي (A)؛ ما يضعها في فئة (BBB)، أي فوق مستوى "السندات عالية المخاطر" (junk status) مباشرة، ودون مستوى تصنيف إيطاليا.هذا هو مآل السجالات حول الميزانية؛ إذ يزداد المشهد السياسي تعقيداً، بينما تزيد الاضطرابات في الشارع الأمور تعقيداً فوق تعقيدها.

ويبدو أن مرشحة اليمين المتطرف للرئاسة، مارين لوبان، تتفوق في استطلاعات الرأي، لكن من المرجح أن تواجه في جولة الإعادة في أبريل زعيم اليسار المتطرف، جان لوك ميلنشون، الذي دعا إلى ما يشبه التخلف عن السداد من خلال إلغاء الديون الفرنسية المملوكة لبنك فرنسا.

ولا يبعث أي من المرشحين الطمأنينة في نفوس المستثمرين، نظراً للمخاطر السياسية والسياسات المتطرفة المحتملة المرتبطة بهما. ومن المرجح أن يضطر الفائز -أياً كان- إلى الدعوة لانتخابات برلمانية مبكرة في يونيو، سعياً للحصول على أغلبية تمكنه من التعامل مع ملف الميزانية.

وفي هذا السياق، يحذر تقرير صادر عن بنك "ناتيكسيس" (Natixis) حول الانتخابات من الاعتماد على استطلاعات الرأي في هذه المرحلة المبكرة؛ مشيراً إلى حالات عديدة على مدى العقود الماضية ثبت فيها عدم دقة الاستطلاعات المبكرة، لا سيما في ظل نظام انتخابي يقوم على جولتين. ويضيف التقرير أنه قد يكون من السابق لأوانه استبعاد إدوار فيليب، الشخصية الوسطية البارزة. وعلى أي حال، ربما باتت تصريحات المرشحين بشأن السيطرة على الميزانية لا تقل أهمية عن هي نتيجة الانتخابات ذاتها. لكن إذا كنت تبحث عن حل سحري لهذه القصة، فاستعد لانتظار طويل ومثير للأعصاب. 

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية