الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأحد, 7 يونيو 2026 | 21 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

ما قيمة المستشار في عصر الذكاء الاصطناعي؟

محمد الماضي
الجمعة 5 يونيو 2026 13:25 |3 دقائق قراءة

ليس السؤال الحقيقي هل ستختفي شركات الاستشارات بسبب الذكاء الاصطناعي. فهذا تصور يبالغ في فكرة النهاية. ما يستحق النقاش فعلا هو كيف ستبرر هذه الشركات قيمتها عندما يصبح جزء كبير من العمل التحليلي أسرع وأقل تكلفة. فالذكاء الاصطناعي لا يضرب الصناعة من خارجها، بل يقترب من المنطقة التي كانت تمنحها جزءا كبيرا من قوتها.

لطالما كانت قيمة المستشار في قدرته على ترتيب ما يتداخل داخل المنشأة من أسئلة وأرقام ومصالح. يدخل إلى مؤسسة تبحث عن وضوح وسط تفاصيل كثيرة، ثم يخرج منها برواية قابلة للفهم، وخيارات محددة، وتوصية يمكن مناقشتها أمام الإدارة التنفيذية أو مجلس الإدارة.

لكن جزءا من عمل الاستشارات فقد شيئا من ندرته السابقة. فما كان يتطلب فرقا كاملة وساعات طويلة من البحث، وتلخيص المقابلات، وإعداد المسودات، وبناء العروض، وتنظيم البيانات، وصياغة الفرضيات الأولى، أصبح اليوم أسرع وأقل تكلفة مع الذكاء الاصطناعي.

صحيح أن التقنية لا تفهم المؤسسة من الداخل كما يفعل المستشار الخبير، ولا تقرأ حساسياتها وسياقها بالعمق نفسه، لكنها تختصر جزءا كبيرا من العمل التمهيدي. وهنا يظهر السؤال الأهم. إذا أصبح إنتاج التحليل أسهل، فما الذي سيبقى ذا قيمة؟

لكن يبقى عمل المستشار مطلوبا، وربما أكثر في الملفات الصعبة. فالقرارات الكبيرة لا تحسمها الأدوات وحدها، بل تحتاج إلى خبرة قطاعية، وقراءة دقيقة للسياق، وفهم لمصالح الأطراف، وقدرة على تحويل الفكرة إلى قرار قابل للتنفيذ. قد ينتج الذكاء الاصطناعي تحليلا مقنعا أو عرضا جيدا، لكنه لا يتحمل أثر القرار، ولا يقرأ دائما ما وراء الأرقام من تردد مجلس إدارة، أو مقاومة إدارة تنفيذية، أو حساسية تمس الموظفين والعملاء ورأس المال.

في المقابل، لن يدفع العميل السعر القديم مقابل العمل القديم. لم تعد كثافة الشرائح، ولا حجم الفريق، ولا طول مدة المشروع دليلا كافيا على القيمة. فالقيمة ستقاس بما يتركه المشروع فعلا داخل الشركة، سواء في خفض التكلفة، أو رفع الإيراد، أو تحسين الإنتاجية، أو مساعدة الإدارة على اتخاذ قرار أفضل. أما التقرير، مهما بدا متقنا، فسيبقى ناقصا إذا لم يغير شيئا في القرار أو النتيجة.

لهذا يقع الضغط الأكبر على نموذج الهرم الذي عاشت عليه شركات الاستشارات الكبرى، حيث يوجد الشركاء في الأعلى، والمديرون في الوسط، والمحللون في القاعدة. كان هذا النموذج مربحا لأن جهد المحللين الصغار كان يتحول في النهاية إلى منتج عالي السعر.

لكن الذكاء الاصطناعي بدأ يضغط على هذه المعادلة، كما أشارت فايننشال تايمز، بعدما أصبح كثير من أعمال المحللين والمستشارين الصغار أسرع وأقل تكلفة. لذلك لا تبدو المشكلة في تراجع الحاجة إلى الاستشارات، بل في انتقال القيمة داخلها. سيضعف سعر الجهد المتكرر، ويرتفع سعر الحكم والخبرة والتنفيذ.

هنا لا يعود النقاش عن التحليل وحده، بل عن القرار الذي سيبنى عليه. فمن يملك أدوات أسرع لا يعني بالضرورة أنه يملك حكما أفضل. وعند هذه النقطة، لا يبقى الذكاء الاصطناعي ملفا تقنيا، بل يتحول إلى سؤال على طاولة مجلس الإدارة.

إذا كانت التقنية قادرة على التأثير في نموذج العمل، وهيكل التكلفة، وتجربة العميل، وسرعة اتخاذ القرار، فلا يمكن التعامل معها كأداة تشغيلية فقط. لم يعد كافيا أن يسأل مجلس الإدارة هل نستخدم الذكاء الاصطناعي، بل عليه أن يسأل أين نستخدمه، ولماذا، وما العائد المتوقع، وما المخاطر، وما القدرات التي يجب أن نبنيها داخل الشركة بدلا من شرائها من الخارج.

وهذا ليس نقاشا نظريا. فتقرير نشرته ديلويت عبر وول ستريت جورنال وصف الذكاء الاصطناعي بأنه تحذير على مستوى مجالس الإدارة، لا مجرد ملف مؤجل داخل إدارات التقنية. البطء في التعامل معه قد يتحول إلى خطر تنافسي، لكن التسرع فيه بلا حوكمة قد يحوله أيضا إلى إنفاق بلا نتيجة.

في المنطقة، تبدو هذه الفكرة أكثر حساسية. الاستشارات كانت حاضرة في مراحل التحول الاقتصادي والمؤسسي، لكن المرحلة المقبلة قد لا تكافئ من يشتري تحليلا أكثر، بل من يبني قدرة داخلية أقوى على الفهم والتنفيذ. فالذكاء الاصطناعي قد يقلل الحاجة إلى الاستشارة العامة، لكنه قد يزيد الحاجة إلى مستشارين أكثر تخصصا في التحول العميق، وإعادة تصميم نموذج العمل، وإدارة التغيير، وحوكمة المخاطر.

العلاقة المقبلة مع الاستشارات لن تكون استغناء كاملا، ولا اعتمادا كاملا. ستكون أكثر انتقائية. ستحتاج المؤسسات إلى المستشار عندما تكون هناك خبرة نادرة، أو حياد خارجي، أو قرار معقد تتداخل فيه مصالح كثيرة. لكنها لن تحتاج إليه في كل تحليل أو تقرير يمكن إنتاجه داخليا بكفاءة أعلى.

الذكاء الاصطناعي لا يلغي الحاجة إلى الخبراء، لكنه يرفع معيار الخبير. ولا يلغي دور المستشار، لكنه يجبره على إثبات أن قيمته ليست في جمع المعلومات وحده، بل في تحويلها إلى قرار أفضل. وفي النهاية، سيجد مجلس الإدارة والمستشار نفسيهما أمام السؤال نفسه. ما الذي يستحق أن ندفع مقابله في زمن أصبحت فيه أدوات المعرفة متاحة للجميع؟

كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية