الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 14 مايو 2026 | 27 ذُو الْقِعْدَة 1447
Logo

ما السعر الحقيقي للنفط الآن؟

خافيير بلاس
الأربعاء 22 أبريل 2026 12:28 |8 دقائق قراءة


خافيير بلاس

@JavierBlas

فروقات واسعة بين أسعار النفط في الأسواق حسب النوع والموقع وتوقيت التسليم

حرب إيران تحول النفط إلى أداة ضغط وسط تضارب إشارات السوق العالمية

•      شح الإمدادات يؤثر في السوق المادية.. والعقود الورقية تعكس توقعات المستقبل وتقلباته

•      السوق المادية شرق العالم أكثر تضرراً بسبب تكاليف الشحن.. وأسعار آسيا بلغت 175 دولاراً للبرميل

•سعر النفط الأمريكي مرشح للارتفاع مع زيادة الطلب العالمي

 الخلاصة

أسعار النفط تختلف حسب النوع والمكان والزمان، خاصة في ظل أزمة إيران وحصار مضيق هرمز. السوق المادية تعكس العرض والطلب الفعلي بأسعار مرتفعة بسبب الشح وتكاليف الشحن العالية، بينما السوق المالية تتوقع تحسناً مستقبلياً. أسعار النفط في أمريكا الشمالية منخفضة نسبياً، مع توقعات بانخفاض الأسعار بعد شهرين، ويُقدّر السعر الحقيقي حالياً بنحو 125 دولاراً للبرميل.

طوال مسيرتي في التغطية الصحفية، هناك سؤال واحد لطالما كنت أتوجس منه: ما سعر النفط، أعني ما السعر الحقيقي للخام؟ غالباً ما يُطرح هذا السؤال في خضم الأزمات ويطلب إجابة مرتبة ورقماً محدداً بالدولار للبرميل. لكن ردي في كل مرة يكون بعيداً كل البعد عن ذلك إذ يعتمد الأمر على نوع النفط الذي نتحدث عنه وتوقيت بيعه والمكان الذي يُباع فيه.

لا يختلف الأمر في ذلك بالنسبة لأزمة إيران. بدلاً من تقديم سعر واحد، فإن ما أستطيع محاولة القيام به هو إلقاء الضوء على أسواق النفط المادية والمالية اليوم، وشرح لماذا يمكن أن تشتري برميل خام بسعر 78 دولاراً في كانساس أو 286 دولاراً في سريلانكا.

حرب إيران

في خضم أحدث صراع في الخليج العربي، كان النفط سلاحاً اقتصادياً وأداة دعائية. كانت كل من إيران والولايات المتحدة تفرضان حصاراً على الشحنات عبر مضيق هرمز الحيوي قبل إعادة فتحه مؤقتاً على الأقل الجمعة الماضية، وكان الطرفان يحاولان التأثير كلامياً على السوق بما يخدم مصلحتهما.

احذر من أي شخص يقول إن مؤشراً واحداً بعينه لأسعار النفط أهم من سواه. فكل من يراهن على صعود تكلفة الخام سيقول إن موجة الهبوط التي جاءت الجمعة الماضية بدافع الارتياح لا تعكس الواقع، في ظل استمرار الاضطراب الكبير في الشحن. أما من يراهنون على الهبوط، فسيعتبرون أن التطورات أكدت وجهة نظرهم.

وبصورة عامة، تنقسم سوق النفط إلى قسمين. القسم الأول هو السوق المادية، حيث تتداول البراميل الحقيقية، ويمكن لمسها وشمها، بل تكاد تتذوقها. أما القسم الثاني فلا يظهر إلا على شاشات الكمبيوتر. وهذه هي العقود المالية المكتوبة، مثل المقايضات والعقود المستقبلية والخيارات، التي يجري تداولها في الأسواق الإلكترونية. ويُطلق عليها التجار اسم "البراميل الورقية".

بالطبع، ترتبط السوقان المالية والمادية بعضهما ببعض. لكن لكل منهما وظيفة مختلفة. فالأولى هي الساحة التي ينقل فيها التجار مخاطر أسعار النفط. وبحكم طبيعتها، فهي تتحرك بطريقة استباقية. أحياناً يجري التسعير فيها بحسب اضطرابات متوقعة في الإمدادات قبل وقوعها بأيام أو أسابيع أو حتى أشهر. كما أن أسعار التداول فيها تتحرك حسب توقعات تعافي الإمدادات قبل أن يتدفق النفط مجدداً بوقت طويل. إنها نافذة تطلّ على مستقبل محتمل، وخلاصة للنتائج المرجحة. لكنها ليست -مع ذلك- توقعاً، بل مجرد السعر الذي يكون المشترون مستعدين لدفعه اليوم مقابل برميل سيُسلم في المستقبل.

سوق النفط الفورية

أما السوق المادية، فهي المكان الذي يتوجه إليه التجار لشراء وبيع النفط الحقيقي -الذي يدخل إلى المصافي- فوراً. وهي تعكس العرض والطلب في الوقت الراهن. ومفتاح الأسعار فيها هو نوعية البراميل المتاحة، ومدى سهولة الوصول إليها وشحنها. وهي أقرب إلى عالم الخدمات اللوجستية منها إلى نماذج الحساب الرياضية.

والأهم من ذلك أن معروض البراميل الورقية غير محدود، بينما يبقى معروض البراميل المادية مقيداً، وبدرجة أكبر يكون ذلك خلال فترات الأزمات. يقدّر إيليا بوشويف، وهو تاجر نفط سابق يعمل حالياً في معهد أوكسفورد لدراسات الطاقة، أن السوق المادية فقدت أكثر من 10 ملايين برميل منذ بدء الحرب. لكن السوق المالية شهدت تداول مليار برميل إضافي عند تجميع كل عقود الأدوات المالية الورقية المختلفة.

في الأوقات العادية، تكون أسعار السوق المالية والسوق المادية متقاربة جداً، مع فروق صعوداً أو هبوطاً مرتبطة ببعض الفوارق والتكاليف الإضافية. في فترات الهدوء، تكون أسهل إجابة عن سؤال "ما السعر الحقيقي للنفط؟" متوفرة عبر النظر إلى أي شاشة مالية. عادة ما تتحرك كل المؤشرات الورقية القياسية -مزيج "برنت" و"غرب تكساس الوسيط" و"دبي"- بصورة متزامنة، وفي نطاق لا يتجاوز حفنة دولارات.

لكن هذه ليست أوقاتاً عادية. فقد قفزت الأسعار المادية بقوة، بينما تبحث المصافي عن أي كميات يمكن تسليمها فوراً. وما كان يُتداول سابقاً بزيادة أو خصم لا يتجاوز بضعة سنتات مقارنة بمؤشر العقود الورقية، بات يُباع الآن بعلاوة قدرها 10 دولارات أو 15 دولاراً أو 20 دولاراً أو أكثر. ستبيع السعودية خامها الرئيسي العربي الخفيف إلى العملاء الأوروبيين في مايو بعلاوة قدرها 27.85 دولار. وفي الشهر الماضي، كان يُباع بخصم 65 سنتاً. ويقول خوسو جون إيماز، الرئيس التنفيذي لشركة "ريبسول" (Repsol): "المعاملات في السوق المادية تتعرض لضغوط شديدة".

تكاليف شحن النفط

هذا قبل إضافة الرسوم الإضافية، التي لم تعد تبدو إضافية إلى هذا الحد. فتكاليف الشحن التي كانت تبلغ دولاراً واحداً للبرميل أصبحت حالياً تكلف ما يصل إلى 25 دولاراً. أما التأمين فأصبحت تكلفته باهظة. هذه النفقات الإضافية لا تظهر في السوق المالية، لأن أحداً لا يحتاج إلى نقل فعلي لبرميل مبيع على الورق. لكن إذا أُضيفت هذه التكاليف، فإن "سعر برميل النفط حتى التسليم النهائي يتجاوز بكثير السعر الرئيسي المُعلن في التداولات"، بحسب ما قال جورج الحيدري، الرئيس التنفيذي لـ"إتش إس بي سي هولدنجز" (HSBC Holdings).

هذه الفجوة لا تعني أن السوق المادية والسوق المالية منفصلتان عن بعضهما، أو أن الثانية معطلة، كما يدعي كثير من المدونين وبعض العاملين في "وول ستريت". تؤدي السوقان ببساطة وظيفتين مختلفتين، وتقدمان إجابتين مختلفتين. وعلى نحو عام، تخبرك السوق المادية بالسعر من اليوم وحتى نحو 30 يوماً مقبلة، بينما تعكس السوق المالية في العادة الأسعار من بعد شهرين وحتى 10 سنوات مقبلة.

ما هي الدلالات التي يرسلها هذا المشهد؟ أحد تجار النفط الذين ألجأ إليهم كثيراً، وهو سعيد دائماً بمشاركة المعرفة التي راكمها عبر أزمات متعددة، تحدث إليّ، شرط عدم الكشف عن هويته، ولخص الأمر ببساطة  أن السوق المادية تُظهر أن البراميل شحيحة للغاية اليوم؛ لكن سوق العقود الورقية تقول إنك إذا نظرت إلى توزيع النتائج المحتملة بعد شهرين من الآن، فهناك سيناريوهات كثيرة قد تخفف هذا الشح.

تأثير حرب إيران

يكتسب اختلاف الإطار الزمني أهمية حاسمة. ففي الأيام الأولى من حرب إيران، كانت السوق الورقية هي المكان الذي ظهرت فيه المخاوف من تأثير الصراع. وقفز عقد برنت إلى 120 دولاراً في أوائل مارس. لكن بسبب فائض المعروض الكبير الذي كان موجوداً آنذاك، لم يرتفع نظيره المادي إلا بالكاد فوق 100 دولار. أما الآن فقد انقلب الوضع: فما زالت السوق المادية تسعر شح الإمدادات اليوم، بينما تسعر السوق المالية نهاية الحرب.

المفارقة أن المضاربين الماليين -وهم مضاربون بامتياز في سوق النفط- خففوا من صدمة مضيق هرمز عبر تسعير احتمال حلها. لكن مصافي التكرير مضطرة إلى العيش في الحاضر. يتقدم أمن الإمدادات على التفكير في السعر. ويقول التاجر الذي تحدثت إليه إن المصافي، ولا سيما إذا كانت مملوكة للدولة، ستدفع أي ثمن لضمان التسليم. ستفعل ذلك بطريقة تفوق حجم صدمة النفط الفعلية، لأن عدم الحصول على برميل نفط يمثل تهديداً وجودياً -لاحتياجات الدولة من الطاقة والمنتجات الحيوية- على نحو لا يمثله دفع سعر أعلى من اللازم.

كما أن الجغرافيا تؤثر في السعر أيضاً. فما زالت مصطلحات تعود إلى الحقبة الاستعمارية حيّة في هذه السوق، مع وجود خط عمودي متخيّل يقسم العالم عند قناة السويس في مصر. وقد بدأت صدمة النفط الحالية إلى الشرق من هذا الخط، وهناك تضررت السوق المادية وتكاليف الشحن بأكبر قدر. وتشير حسابات تقريبية إلى أن بعض المصافي الشرقية ستدفع أكثر من 175 دولاراً مقابل "أسعار الوصول"، أي مجموع تكلفة البرميل ونفقات نقله وعناصر أخرى.

لكن تداعيات الأزمة تتحرك غرباً أيضاً. فالمصافي الآسيوية تتسوق الآن في حوض الأطلسي، من النرويج إلى غرب إفريقيا، إذ قفزت تكلفة خام "برنت المؤرخ"، وهو المرجع لسوق بحر الشمال المادية، لفترة وجيزة إلى 145 دولاراً الشهر الجاري.

وحتى إذا أُعيد فتح مضيق هرمز، كما وعد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الجمعة الماضية، فإن أثر الصدمة سيمتد أكثر نحو الغرب. ستصبح الولايات المتحدة، أكبر دولة منتجة للنفط في العالم، الملجأ الأخير للحصول على النفط. وهذه أرض النفط الرخيص. تشتري المصافي الأمريكية النفط الخام بأسعار منخفضة على نحو مثير للدهشة مقارنة بآسيا وأوروبا. وبما أنها متصلة عبر خطوط الأنابيب، فهي تدفع تكاليف نقل عادية.

سعر منخفض للنفط

إلى أي مدى يُعد هذا السعر منخفضاً؟ انظر إلى "نشرة أسعار النفط الخام" اليومية التي ينشرها التجار الأمريكيون وشركات الأنابيب والمصافي بوصفها مرجعاً للمشتريات المادية. في نشرة 15 أبريل الجاري، بلغ سعر غرب تكساس الوسيط 87.77 دولار. يُباع الخام "كولورادو ساوث إيسترن" بسعر 78.27 دولار. أما خام "وايومنج" الخفيف فسعره 84.87 دولار، بينما يبلغ سعر خام "نبراسكا" الوسيط 77.77 دولار. يمكن لمصفاة محظوظة لديها إمكانية الوصول إلى خام "يوتا" الخفيف أن تحصل عليه مقابل 76.98 دولار. أما خام غرب كندا المنتقى، وهو خام قياسي لرمال ألبرتا النفطية، فيُباع بنحو 72 دولاراً.

وعند النظر إلى هذه الأسعار، تدرك المغزى الجيوسياسي والاقتصادي لثورة النفط الصخري في الولايات المتحدة والرمال النفطية في كندا. في خضم صدمة نفطية تاريخية، تنعم أمريكا الشمالية بوفرة هائلة من النفط الخام.

لكن هذه الأسعار المتدنية للغاية لن تستمر، ما لم يُعَد فتح مضيق هرمز بالكامل. يتجه أسطول من ناقلات النفط إلى الساحل الأمريكي بغض النظر عما سيحدث في الخليج العربي خلال الأيام المقبلة. هذه الناقلات ستحمل الخام الأمريكي حتى إذا صمد وقف إطلاق النار. وإذا بقيت العوامل الأخرى على حالها، فسترتفع تكاليف النفط في أمريكا الشمالية، في حين ستُكبح الزيادات في أماكن أخرى مع حصول المصافي الشرقية على إمكانية الوصول إلى السوق الأمريكية.

ونحن نشهد بالفعل بداية ذلك. يُعد خام "مارس"، المستخرج من خليج المكسيك، أحد أكثر الخامات الأمريكية سهولة في التصدير. في وقت سابق من الأسبوع الجاري، بيع بسعر 97.30 دولار مع تحوله إلى النفط الخام الأمريكي المفضل للشحن.

تسعير النفط

آمل أن تكون قد أدركت الآن مدى صعوبة تقديم إجابة سهلة عن "السعر الحقيقي" للنفط. وهناك عوامل أخرى ينبغي إدراجها أيضاً.

أولاً، هل ينبغي أن نتحدث عن النفط بالقيمة الاسمية أم بالقيمة الحقيقية؟ في الحالة الثانية، أي بعد تعديلها وفق الأثر التراكمي للتضخم، ستكون أسعار النفط بحاجة إلى مزيد من الارتفاع حتى تعادل مستويات الأزمات السابقة. فالمستوى القياسي الذي لامس نحو 150 دولاراً في 2008 في كل من سوق برنت المادية والمالية، يعادل اليوم نحو 220 دولاراً بأسعار اليوم.

ثانياً، هل ينبغي أن نولي اهتماماً أكبر لأسعار المنتجات المكررة التي يشتريها المستهلكون فعلياً، وأقل لسعر الخام الذي تشتريه المصافي؟ في أثناء صدمة هائلة مثل إغلاق هرمز، ترتفع تكلفة المنتجات المكررة مثل البنزين ووقود الطائرات بوتيرة أسرع من الخام الذي تُصنع منه. ومن الناحيتين السياسية والاقتصادية، قد يكون ذلك أكثر أهمية بكثير.

في نهاية المطاف، إذا وُضعت تحت الضغط، فسأقول دائماً إن السوق المادية تظل هي الحاكمة، وإن السعر هو دائماً ما يُدفع حالياً، لا بعد شهرين. لكنني سأصر أيضاً على احتساب متوسط بين المناطق، بما في ذلك أمريكا الشمالية.

على هذا الأساس، فلنقل إن المستوى الحقيقي خلال هذا الأسبوع كان في حدود 125 دولاراً تقريباً. أما بعد شهرين؟ ففي تلك المرحلة، ربما سأصغي إلى ما يقوله المضاربون في السوق المالية. وحتى الآن، ثبت أنهم كانوا على صواب في تقدير اضطراب الإمدادات، ثم في تقدير اتجاه حل الأزمة. وأنا أتفق معهم: السعر يتجه إلى الانخفاض.

كاتب عمود في مجال الطاقة والسلع في بلومبرغ.

خاص بـ"بلومبرغ"

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية