بكر عبداللطيف الهبوب
تُختزل البيئة الاستثمارية في كثير من الأحيان في قوائم معيارية تسعى إلى الكمال، وكأنَّ الجاذبية الاستثمارية لا تتحقق إلا إذا حصلت الدولة على درجات مرتفعة في كل عنصر من عناصر الحوكمة، والتشريع، والبنية التحتية، والتمويل، والشفافية. هذا التصور، رغم شيوعه، يتجاهل حقيقة تؤكدها التجربة الاقتصادية والتاريخ الاستثماري للدول مفادها أنه لا توجد بيئة استثمارية مكتملة العناصر، وإنما توجد بيئات قادرة على تعظيم مزاياها النسبية وتعويض جوانب قصورها بما يتيح للمستثمر تحقيق عوائد إيجابية ومستدامة.
فالبيئة الاستثمارية ليست تجميعًا ميكانيكيًا لعناصر منفصلة، بل منظومة ديناميكية تتفاعل فيها السياسات الاقتصادية مع الإطار القانوني والمؤسسي، ومع السجل التاريخي للدولة في التعامل مع الاستثمارات. ومن ثم، لا تُقاس التنافسية الحقيقية ببلوغ "100%" في المؤشرات، بل بقدرة الدولة على تقديم مزيج واقعي من العوامل التي تمكّن المستثمر، في قطاع محدد، من قراءة المخاطر والعوائد بصورة متوازنة، واتخاذ قرار استثماري عقلاني على المدى المتوسط والبعيد.
وتؤكد تقارير المنظمات الدولية هذا الفهم النسبي للتنافسية. فتقرير التنافسية العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي يبيّن أن الدول المتقدمة اقتصاديًا لا تتفوق في جميع المحاور، بل تعتمد غالبًا على نقاط قوة محددة لتعويض جوانب أقل أداءً. فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، ورغم التعقيد الضريبي وتباين الأطر التنظيمية بين الولايات، ما زالت من أكبر وجهات الاستثمار الأجنبي المباشر عالميًا، مستندة إلى عمق السوق، والقدرة الابتكارية، وقوة النظام القضائي في حماية الحقوق التعاقدية.
وفي السياق نفسه، تكشف تجربة فيتنام كيف يمكن لبلد لا يحتل مراتب متقدمة في جميع مؤشرات الحوكمة أن يتحول إلى مركز صناعي جاذب. فقد ركزّت الدولة على تحسين بيئة التصنيع، وتبسيط إجراءات الاستثمار في قطاعات محددة، وربط ذلك باتفاقيات تجارةٍ حرةٍ واسعةٍ، ما أتاح للمستثمرين تحقيق عوائد مجزية رغم استمرار تحديات مؤسسية معروفة. وتشير تقارير الأونكتاد إلى هذه الحالات بوصفها نماذج للتنافسية القطاعية، حيث تُقاس الجاذبية على مستوى قطاعات بعينها، لا على مستوى الاقتصاد كله.
غير أن جذب الاستثمار لا يكتمل دون القدرة على استبقائه. وهنا تبرز أهمية عناصر مثل سيادة حكم القانون، واستقرار الإطار التنظيمي، وانخفاض معدلات المنازعات الاستثمارية الدولية. فالدول التي تتمتع بسجل محدود في قضايا التحكيم الاستثماري، أو تُظهر نمطًا مستقرًا في تنفيذ الأحكام وحماية حقوق المستثمرين، تكتسب ميزة تنافسية طويلة الأجل تتجاوز أثر الحوافز المالية المؤقتة.
وتعكس تجربة دول مثل كندا وسنغافورة هذا البعد بوضوح، إذ تركزان على بناء ثقة مؤسسية مستدامة من خلال مؤسسات فعالة وذات شفافية عالية ونزاعات محدودة، بما يقلل من علاوة المخاطر التي يضعها المستثمر في حساباته.
ولا يكتفي المستثمر بتعدد البرامج والمبادرات ما لم يلمس ترابطًا مؤسسيًا فعليًا بينها. فالمؤشرات الدولية غالبًا ما تُستخدم كنقطة دخول أولية لفهم البيئة الاستثمارية، بينما يتشكل القرار الحقيقي عبر المعاينة الميدانية، والتواصل مع مستثمرين قائمين، وتحليل سلاسل القيمة في القطاع المستهدف، ما يجعل المؤشرات أقرب إلى خريطة عامة لا تعكس دائمًا تفاصيل الواقع. وفي هذا السياق، تلعب السمعة العملية للدولة بين مجتمع المستثمرين دورًا حاسمًا، إذ قد ترجّح قصص النجاح أو التعثر كفة بيئة استثمارية بعينها رغم تقاربها العددي مع غيرها، بما يجعل "رأس المال المعنوي" عنصرًا مؤثرًا يصعب على المؤشرات التقاطه.
وعليه، فإن قراءة المؤشرات الدولية تمثل بداية ضرورية لفهم التنافسية الاستثمارية، لكنها ليست كافية بذاتها. فالمستثمر لا يستثمر في "اقتصاد" مجرد، بل في قطاع محدد بخصائصه التنظيمية ومخاطره وسلاسل قيمته. ومن هنا، تصبح التنافسية بطبيعتها قطاعية، وتتطلب تشخيصًا دقيقًا للنقاط العمياء التي قد تحدُ من الجاذبية في بعض القطاعات، مقابل تفوق واضحٍ في قطاعات أخرى.
إنَّ البيئة الاستثمارية الناجحة ليست تلك التي تسعى إلى تحسين ترتيبها في كل مؤشر، بل تلك التي تضع خط أساس متماسكًا لجميع القطاعات، وتُدرك في الوقت ذاته أين تكمن مزاياها النسبية، فتمنح أولوية واعية لقطاعات بعينها قادرة على تحويل هذه المزايا إلى استثمارات وعوائد مستدامة. عند هذه النقطة تحديدًا، يظهر الفارق بين ما تقيسه المؤشرات، وما يراه المستثمر فعلًا.
مستشار قانوني
