السبت, 19 سبتمبر 2026|6 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

على عكس النفط الخام أو البنزين، نادرا ما يتصدر الديزل الأخبار في الصفحات الأولى، لكنه يحظى الآن باهتمام الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الكامل. ويهدد ارتفاع أسعار الوقود بدفع التضخم إلى مستويات أعلى كثيراً، وسيشكل ترويضه تحدياً ملحمياً.

وقد حول ترمب أخيرا تركيزه من أسعار البنزين المحلية إلى الديزل. وفي الأسبوع الماضي، حث الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على التوقف عن استهداف إنتاج الديزل الروسي. وأعلن في وقت لاحق أن روسيا وأوكرانيا اتفقتا على عدم مهاجمة البنية التحتية للطاقة في كل منهما. ويبدو أن أياً من الطرفين لم يحترم هذا الترتيب، لكن جهود الرئيس تثير السؤال: لماذا يركز بشدة على الديزل الآن؟

الديزل هو الوقود الذي يحافظ على حركة الاقتصاد العالمي. فهو يزود الشاحنات التي تخزن أرفف المتاجر الكبرى، والسفن التي تحمل البضائع حول العالم، والآلات التي تحرك المزارع والمصانع ومواقع البناء.

ويشكل الديزل وزيت التدفئة ما يقرب من 30% من استهلاك النفط العالمي، أو نحو 29 مليون برميل يوميا. ويتم تداول ما يقرب من ربع هذا العرض دوليا. وعادة ما يكون الشرق الأوسط أكبر منطقة تصدير في العالم، حيث شحن نحو 1.5 مليون برميل يوميا العام الماضي، في حين قدمت روسيا 800 ألف برميل يوميا أخرى، وفقا لبيانات كبلر.

لكن البنية التحتية للطاقة - ومصافي التكرير على وجه الخصوص - أصبحت هدفا رئيسيا في كل من الصراع بين روسيا وأوكرانيا والحرب المتوسعة في الشرق الأوسط، ما يجعل إمدادات الديزل شحيحة بشكل خطير. وقد استجابت الأسعار وفقا لذلك. وسجلت العقود الآجلة للديزل الأوروبي مستوى قياسيا بلغ 210 دولارات للبرميل هذا الأسبوع، في حين تجاوزت أسعار التجزئة للديزل في الولايات المتحدة 6 دولارات للجالون للمرة الأولى.

ويمكن القول إن هذا الارتفاع في الأسعار أكثر إثارة للقلق من ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة، والذي يبلغ حالياً نحو 4.40 دولار للجالون الواحد. وذلك لأن الديزل لديه قدرة أكبر على الانتشار عبر سلاسل التوريد لأشهر، إن لم يكن لسنوات، ما يؤدي إلى رفع تكاليف التصنيع، ونقل المواد الغذائية والسلع الأخرى، والبناء.

بالنسبة لإدارة ترمب، التي شهدت انخفاض معدلات الموافقة على تعاملها مع الاقتصاد في الأشهر السبعة الماضية - ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى المخاوف المتعلقة بتكاليف المعيشة - فقد يكون هذا بمنزلة صداع تضخم جديد خطير ⁠دون علاج بسيط.

أسفل السلسلة

إن أزمة الديزل تثير القلق ليس بسبب ارتفاع الأسعار في حد ذاته، بل بسبب الأسباب التي تحركه. ولم تعد المشكلة الأساسية تكمن في نقص النفط الخام، بل في النقص الحاد في قدرة التكرير التي تحول الخام إلى وقود.

علاج لارتفاع الأسعار

وتحاول بقية دول العالم التعويض ـ وجني الأرباح غير المتوقعة من هوامش التكرير الهائلة. وقد ظل عديد من مصافي التكرير خارج مناطق النزاع يعمل دون توقف منذ أشهر، وينتج مزيدا من وقود الديزل على حساب أنواع الوقود الأخرى. 

هذه الجهود أثبتت عدم كفايتها؛ فعلى عكس منتجي النفط، تمتلك مصافي التكرير طاقة فائضة محدودة، كما أن الأضرار الناجمة عن الحرب أدت في نهاية المطاف إلى خروج عدد كبير جداً من المصافي عن الخدمة. ونتيجة لذلك، من المتوقع أن يبلغ متوسط ​​معدل التكرير العالمي 81.5 مليون برميل يومياً فقط هذا العام، انخفاضاً من نحو 84 مليون برميل يومياً.

كما أن مخزونات الديزل (السولار) وغيرها من نواتج التقطير المتوسطة تُعد منخفضة نسبياً بعد أشهر من السحب المكثف منها. وتوجد المخزونات الأمريكية عند أدنى مستوياتها لهذا الوقت من العام منذ 1982 على الأقل؛ وهي الفترة التي عادة ما تشهد ارتفاعاً في المخزون استعداداً لزيادة الطلب على وقود التدفئة في فصل الشتاء.

وقد أدى هذا الوضع إلى نشوء ديناميكية مقلقة؛ فالعلاج المعتاد لارتفاع أسعار الديزل هو ارتفاع الأسعار ذاته، إذ يحفز ذلك الإنتاج ويكبح الطلب. ولكن في ظل محدودية طاقة التكرير المتاحة، فإن العلاج سيتمثل على الأرجح في أسعار أعلى بكثير وحدوث تراجع حاد في الطلب (أو ما يُعرف بـ "تدمير الطلب").

طلب متماسك

يتمثل السؤال الأهم بالنسبة لترمب في ما إذا كانت الأسعار المرتفعة باستمرار للديزل قد تؤدي إلى رفع معدلات التضخم في الولايات المتحدة بشكل واسع النطاق - ومستدام - ومن ثم عرقلة النمو الاقتصادي في نهاية المطاف.

لقد أصبح الاقتصاد الأمريكي أقل اعتماداً على الطاقة بكثير مما كان عليه في السابق، وذلك بفضل نقل عمليات التصنيع إلى الخارج وتوسع قطاع الخدمات. كما تحولت الولايات المتحدة الآن إلى مُصدِّر صافٍ للنفط، بعد أن كانت مستورداً رئيسياً له لعقود. ويشير عديد من الخبراء إلى هذه الحقائق لتفسير سبب محدودية تأثير الارتفاع الحاد في أسعار البنزين والديزل هذا العام - حتى الآن - في التضخم الأساسي والنمو الاقتصادي.

كما وجد الباحثون أن الإنفاق على النفط كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي قد انخفض بشكل حاد على مر العقود، متراجعاً إلى 3% في 2024 مقارنة بذروة بلغت نحو 8% في 1980. وهكذا، يبدو الاقتصاد الأمريكي - ظاهرياً - أقل عرضة بكثير لصدمات إمدادات الطاقة.

ومن المهم أيضاً ملاحظة أن الآثار التضخمية المرتبطة بالديزل غالباً ما تظهر بتأخير زمني؛ ففي حين إن الأثر المباشر للديزل في مؤشرات تضخم أسعار المستهلك ضئيل للغاية، إلا أن تأثيره غير المباشر - عبر ارتفاع تكاليف النقل والتوصيل والإنتاج - يُعد كبيراً. ويُقدّر الخبير الاقتصادي جويل براكين أن الديزل يمثل نحو 70% من استهلاك الوقود الوسيط في الولايات المتحدة.

علاوة على ذلك، فإن العوامل ذاتها التي جعلت الاقتصاد الأمريكي أقل تأثراً بالزيادات المباشرة في أسعار الطاقة قد تجعله أكثر عرضة للزيادات غير المباشرة؛ فقد أدى التحول بعيداً عن التصنيع المحلي إلى تمدد سلاسل التوريد عبر القارات، ما زاد من الاعتماد على عمليات الشحن والنقل التي تعمل بالديزل.

كما ساهمت الطفرة في خدمات التوصيل المنزلي - التي بدأت منذ الجائحة - في زيادة الطلب من جانب الشاحنات ومركبات النقل الخفيف.

عزاءٌ ضئيل

ثمة سبب واحد يدعو لعدم الذعر؛ فعند تعديل الأسعار وفقاً لمعدلات التضخم، تظل أسعار الديزل الحالية أقل بكثير من مستويات الذروة التي سُجلت في عامي 2008 و2022.

كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز ومتخصص في شؤون الطاقة

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية