الثلاثاء, 1 سبتمبر 2026|18 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

خلال العقود الماضية، شكّل مضيق هرمز أهمية إستراتيجية بالغة لأسواق الطاقة العالمية، إذ يمر عبره نحو 20 مليون برميل من النفط يوميًا، أي ما يعادل نحو 20% من الاستهلاك العالمي، ونحو 25% من تجارة النفط المنقولة بحرًا. وكل هذه الكميات تعبر من خلال ممر بحري لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه عشرات الكيلومترات. ولا شك أن الحرب الأخيرة غيّرت النظرة إلى هذا المضيق، ربما إلى الأبد، وخصوصًا بالنسبة إلى دول الخليج العربي.

فمضيق هرمز سيظل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، ولن تختفي أهميته في المستقبل المنظور. لكن المشكلة التي كشفت عنها الحرب ليست في أهمية المضيق بحد ذاته، بل في الاعتماد المفرط عليه.

وهذا ما رأيناه بوضوح عندما اضطربت الملاحة خلال الحرب الأخيرة، وأُربكت صادرات عدد من أكبر منتجي النفط والغاز في العالم، وارتفعت تكاليف الشحن والتأمين، وتصاعدت المخاطر أمام شركات الشحن، ما دفع بعضها إلى تأجيل الرحلات أو تغيير خططها ومساراتها وتجنب المرور عبر المضيق. ومن هنا يظهر سؤال ملح يتعلق بأمن الطاقة الخليجي خلال السنوات المقبلة: هل حان الوقت لتنويع منافذ التصدير وبناء شبكة خليجية للطاقة تستطيع الاستمرار حتى في حال تعطل مضيق هرمز لأي سبب؟

بالنسبة إلى السعودية، فإن جزءًا من الإجابة موجود بالفعل. فخط أنابيب شرق–غرب ينقل النفط من شرق المملكة إلى ينبع على ساحل البحر الأحمر، وتبلغ طاقته الأساسية نحو 5 ملايين برميل يوميًا، مع إمكانية تشغيله عند مستويات أعلى في ظروف معينة.

وقد أثبتت الأزمة الأخيرة القيمة الإستراتيجية لهذا الخط، إذ وفر للسعودية منفذًا بديلًا لتصدير النفط بعيدًا عن مضيق هرمز.لكن أهمية هذه البنية التحتية السعودية قد تتجاوز المملكة نفسها. فمن الأفكار التي تستحق الدراسة مستقبلًا ربط بعض دول الخليج، مثل الكويت والبحرين وقطر، بشبكة الأنابيب السعودية.

وبدلًا من الاعتماد شبه الكامل على الناقلات التي تعبر مضيق هرمز، يمكن نقل جزء من صادرات هذه الدول عبر الأراضي السعودية وصولًا إلى البحر الأحمر. وعندها لا تصبح المملكة منتجًا ومصدرًا رئيسيًا للطاقة فقط، بل ممرًا إستراتيجيًا للطاقة الخليجية أيضًا.

لكن البحر الأحمر ليس الخيار الجغرافي الوحيد. فهناك مسار آخر يستحق الدراسة عبر بحر العرب، وهنا يبرز الموقع الإستراتيجي لسلطنة عُمان. ولعل ميناء الدقم يمثل أحد الخيارات المثيرة للاهتمام مستقبلًا، إذ يمكن تصور إنشاء خط أنابيب يمتد من المنطقة الشرقية عبر الأراضي العُمانية وصولًا إلى الدقم، مع إمكانية ربط دول خليجية أخرى بهذه الشبكة.

والميزة الإستراتيجية لهذا المسار أنه يمنح النفط الخليجي منفذًا مباشرًا إلى بحر العرب والمحيط الهندي، متجاوزًا مضيق هرمز وباب المندب في الوقت نفسه، وقريبًا من الأسواق الآسيوية التي تستحوذ على الجزء الأكبر من صادرات النفط الخليجية.

وبحسب المتاح حاليًا ومن المرجح، لا يوجد مشروع سعودي معلن بهذا الشكل، ولذلك تبقى الفكرة تصورًا إستراتيجيًا يستحق الدراسة، خصوصًا إذا أصبحت مرونة طرق التصدير جزءًا أصيلًا من إستراتيجية أمن الطاقة لما بعد الحرب. أما المسار الثالث، فيعيدنا إلى فكرة قديمة طُبقت بالفعل قبل عقود: ربط النفط السعودي بالبحر المتوسط.

فقد نقل خط التابلاين الشهير النفط السعودي من شرق السعودية عبر الأردن وسورية ولبنان وصولًا إلى ساحل البحر المتوسط. وقد تبدو إعادة بناء مثل هذه الشبكات اليوم مكلفة اقتصاديًا في ظل وجود بدائل أكثر سهولة، لكن الحرب تعيد تعريف معنى "التكلفة".

فالخط الذي قد يبدو غير مجدٍ تجاريًا في الظروف الطبيعية قد يصبح أصلًا إستراتيجيًا عندما ترتفع تكاليف الشحن والتأمين أو تتعطل الإمدادات. وإذا استقرت سوريا خلال السنوات المقبلة، فقد تعود فكرة إنشاء ممرات للطاقة عبر الأردن وسورية إلى البحر المتوسط إلى دائرة النقاش، وربما ضمن شبكة أوسع تربط الخليج مباشرة بالأسواق المتوسطية والأوروبية.

وهنا ربما يكمن أحد أهم الدروس التي خرجت بها دول الخليج من الأزمة الأخيرة. فالسؤال لم يعد فقط: ما أرخص طريق لتصدير النفط؟ بل أصبح أيضًا: كم طريقًا نملك إذا أُغلق الطريق الرئيسي؟ لذلك، لن تكون هذه الحرب بداية نهاية مضيق هرمز؛ فالمضيق سيظل شريانًا رئيسيًا للطاقة العالمية. لكنها قد تكون بداية نهاية الاعتماد المفرط عليه، وبداية التفكير في شبكة خليجية أكثر تنوعًا ومرونة، تمتد من البحر الأحمر غربًا إلى بحر العرب جنوبًا، وربما إلى البحر المتوسط شمالًا.

أكاديمي وكاتب اقتصادي

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية