في مقالي المنشور الأسبوع الماضي تناولت احتمالية تجاوز أسعار النفط حاجز المائة دولار للبرميل، وقلت حينها إن ما يجري في المنطقة من توترات متصاعدة قد يدفع الأسواق إلى مستويات سعرية لم تشهدها منذ سنوات. اليوم، ومع استمرار التصعيد الجيوسياسي في المنطقة، لم يعد الحديث عن مستوى 100 دولار للبرميل مجرد توقع نظري، بل أصبح واقعا تشهده الأسواق العالمية.
أسواق الطاقة بطبيعتها شديدة الحساسية تجاه المخاطر الجيوسياسية، خصوصًا عندما تكون هذه المخاطر مرتبطة بمناطق إنتاج أو عبور رئيسية للنفط. الجدير بالذكر أن ما نشهده اليوم من توترات إقليمية وتصعيد إيراني غير حكيم تجاه دول الخليج يضع أمن إمدادات الطاقة العالمية أمام اختبار حقيقي، خاصة مع التهديدات المتكررة لحركة الملاحة في مضيق هرمز.
تكمن خطورة هذا المضيق في كونه أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، إذ يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية يوميًا، أي ما بين 17 إلى 20 مليون برميل يوميًا. أي اضطراب في هذا الممر البحري الحيوي لا يؤثر فقط في دول المنطقة، بل يمتد تأثيره مباشرة إلى الاقتصاد العالمي بأسره.
إن التصعيد الإيراني، الذي يتخذ أحيانًا طابعًا عسكريًا أو تهديدًا مباشرًا للملاحة الدولية، لا يمكن وصفه إلا أنه تصعيد غير مسؤول، بل وآثم في حق استقرار المنطقة والعالم. فأسواق النفط لا تتعامل مع الوقائع فقط، بل مع المخاطر المحتملة أيضًا. ولذلك فإن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة كفيل بإشعال موجات من المضاربات في الأسواق العالمية ورفع الأسعار بشكل حاد.
وفي ظل هذه الظروف، لا أستبعد في حال استمرار هذا التصعيد أن نشهد أسعارًا تتجاوز 150 دولارًا للبرميل. فالتاريخ يخبرنا أن أسعار النفط تقفز سريعًا عندما تشعر الأسواق بأن الإمدادات قد تكون مهددة، ولنا في أزمة عام 2008 مثال واضح عندما تجاوزت الأسعار آنذاك 140 دولارًا للبرميل نتيجة مزيج من المضاربات والمخاوف الجيوسياسية.
في اعتقادي أن هذا الأسبوع تحديدًا قد يكون أسبوعًا مفصليًا، فالمشهد يقف على مفترق طرق واضح: إما أن تسود الحكمة من الجانب الإيراني، وهو الخيار الذي سيعيد شيئًا من الاستقرار إلى المنطقة وإلى أسواق الطاقة العالمية، أو أن يستمر نهج التصعيد والتهور، وهو ما قد يلقي بظلال ثقيلة على الاقتصاد العالمي بأكمله.
غالبًا ما أختتم مقالاتي بمحاولة استشراف ما قد تحمله الأيام القادمة من تطورات، لكن في هذا المقال تحديدًا لا أرى جدوى كبيرة من التوقعات أو التحليلات التفصيلية، كون المعادلة اليوم أصبحت واضحة في رأيي!
لكن ما هو ثابت بالنسبة لي، وما أؤمن به يقينًا، هو أن السعودية بقيادتها الحكيمة تمتلك من الخبرة والقدرة ما يؤهلها للتعامل مع مختلف التقلبات والتحديات. لقد أثبتت السعودية عبر عقود طويلة أنها صمام أمان لاستقرار أسواق الطاقة العالمية، وأنها تتعامل مع الأزمات بعقلانية ومسؤولية عالية. وفي عالم تتسارع فيه الأزمات، يبقى هذا الثابت هو ما يمنح الأسواق قدرًا من الثقة والاطمئنان.
مختص في شؤون الطاقة
