الأربعاء, 14 أكتوبر 2026|2 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

حين أُعلنت مشاريع الأحوال الشخصية، والمعاملات المدنية، والإثبات، والنظام الجزائي للعقوبات التعزيرية، لم يكن المقصود زيادة عدد الأنظمة، بل معالجة أصل المشكلة المتمثلة في تفاوت الأحكام، وعدم وضوح القواعد الحاكمة للوقائع والمعاملات، وطول أمد التقاضي، وغياب إطار واضح لالتزامات الأفراد وقطاع الأعمال.

وقد وصف الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء هذه المنظومة بأنها «موجة إصلاح تستهدف قابلية التنبؤ بالأحكام ورفع كفاءة الأجهزة العدلية وموثوقية الإجراءات». وقد أُقر نظام الإثبات والأحوال الشخصية والمعاملات المدنية، فيما يستكمل مشروع النظام الجزائي للعقوبات التعزيرية مساره النظامي. ويتجاوز أثره المرفق العدلي إلى الاقتصاد؛ فوضوح القاعدة القانونية يخفض تكلفة المخاطر ويساعد المستثمر والمتعاقد على تقدير حقوقه والتزاماته.

لكن التشريع، مهما بلغت جودة صياغته، لا يكتمل عند نشره. فاليقين القانوني ثمرة سلسلة تبدأ بالأعمال التحضيرية، وتمر بالتطبيق والقضاء، ثم تتراكم عبر الاجتهاد والفقه والبحث العلمي. والأعمال التحضيرية ليست سجلًا تاريخيًا فحسب، بل مصدرًا يساعد على فهم الغرض التشريعي وسياق اختيار الحكم عند الغموض، دون أن تتقدم على دلالة النص.

وتكشف التجارب المقارنة أهمية هذا التراكم؛ ففي فرنسا تتاح دراسات الأثر والملفات التشريعية، ثم تتراكم فوقها الأحكام القضائية، وتوثق تقارير محكمة النقض اتجاهات التطبيق وإشكالاته، وقد تقترح تعديلات تشريعية عند الحاجة.

وفي الكويت ومصر والأردن، تكاملت النصوص مع المذكرات الإيضاحية والشروح والفقه والاجتهاد القضائي، حتى أصبح التفاعل بينها جزءًا من تطور القانون. فالقانون بعد صدوره يدخل دورة جديدة من التطبيق والتفسير والنقد والتطوير؛ فلا تحل القراءة التنفيذية محل القضاء، ولا القضاء محل الفقه، ولا يغني الفقه عن التطبيق.

والسعودية أمام مرحلةٍ تستلزم تحولًا في وعي القاضي والممارس نحو قراءة أكثر انضباطًا للنص وسياقه ومبادئه، بالانتقال من الاجتهادات المتفرقة إلى منظومة تتكامل فيها دلالة النص، وسياقه التشريعي، وما يستقر عليه القضاء من مبادئ، مع نضج الدراسات الفقهية في التحليل والنقد والمقارنة.

ويقتضي ذلك إتاحة الأحكام النهائية ونشرها بصورة منتظمة وسريعة، وتهيئة مناخ بحثي يتيح قراءتها فقهيًا، وتحليلها فنيًا، ونقد تطبيقاتها بصورة علمية.

غير أن قيمة البحث القانوني لا تكتمل إذا أصبح الشرح الرسمي هو الوعاء الغالب لفهم التشريع. فالجهة التنفيذية معنية بتهيئة شروط التطبيق وإنجاحه، بينما يحتاج القانون بعد نفاذه إلى فقه قانوني مستقل يقرأ النص من زوايا متعددة، ويفحص تطبيقاته، ويكشف ما قد يظهر في الصياغة من ثغرات أو آثار غير مقصودة، ويقارن بين الغاية التشريعية وما ينتهي إليه التطبيق العملي، بما يثري تطور القانون دون أن يكتسب هذا التحليل سلطة إدارية أو إيحاءً بالإلزام.

وتقع أمام الجامعات فرصة تتجاوز النموذج التقليدي للبحث الأكاديمي؛ فالتشريعات الجديدة تحتاج إلى شروح مادةً مادة، وتعليقات علمية على الأحكام القضائية، ومراصد سنوية ترصد أحدث التطبيقات والاتجاهات القضائية عبر منصات متخصصة، بدل أن تبقى المعرفة القانونية موزعة بين اجتهادات فردية وأحاديث متفرقة في وسائل التواصل الاجتماعي. كما تحتاج إلى فرق بحثية عابرة للتخصصات تجمع القانون والشريعة والاقتصاد، ودراسات تتتبع أثر الأحكام والمبادئ القضائية في ممارسة الأعمال وحماية الحقوق وتعزيز سيادة القانون.

والأهم أن تتحول هذه الجهود من مبادرات فردية ورسائل دراسات عليا متفرقة إلى برامج بحثية مؤسسية مستدامة تنتج معرفة قابلة للنقد والتراكم والمراجعة، لتصبح رصيدًا معرفيًا لتطوير التشريع واستقرار تطبيقه.

ويأتي دور المحامين مكملًا لهذه المنظومة؛ فهم الأقرب إلى الوقائع والنزاعات العملية، والأقدر على تحويل ما تكشفه المرافعات والطعون من إشكالات تطبيقية إلى دراسات وتعليقات مهنية، تختبر النص في الواقع وتثري الفقه القانوني وتدعم تراكم المعرفة القضائية.

ويبقى للقضاء، وفي مقدمته المحكمة العليا، دورٌ محوريٌ في تحويل تراكم التطبيقات إلى مبادئ أكثر وضوحًا واتساقًا؛ فالتشريعات الجديدة تستدعي تراكم مبادئ مرتبطة مباشرة بنصوصها ومسائلها التطبيقية، وبما يراعي تنوع القطاعات والوقائع. فالقيمة الحقيقية للتشريع لا تُقاس بإجراءات سنّه أو كثافة شرحه، وإنما بقدرته على الانتقال من النص إلى ممارسة قضائية مستقرة وقابلة للفهم والتوقع؛ إذ وُضع القانون ليُمارس في الواقع، ثم تصقله الأحكام وتثريه المدارسة القانونية.

إنَّ جودة التشريع تستدعي جودة التطبيق، وجودة التطبيق لا تنتجها جهة واحدة؛ فعندما تتكامل سلسلة قيمة النص القانوني بين السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، والمهنة القانونية، والجامعات، والتقنية، وقطاعات الأعمال والمجتمع، يصبح التشريع بنيةً حيةً لا نصًا ساكنًا، وتتحول الإصلاحات التشريعية إلى يقين قانوني يستطيع الفرد والأسرة وقطاع الأعمال والمستثمر أن يبني عليه قراراته بثقة؛ وهو الهدف الذي أُنشئت هذه المنظومة من أجله.

مستشار قانوني

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية