الجمعة, 4 سبتمبر 2026|21 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية


محمد الماضي

من يتابع مؤتمر ليب منذ نسخته الأولى يلاحظ كيف تغير المشهد التقني خلال فترة قصيرة، سواء في حجم الاستثمارات أو في نوع التقنيات التي تتصدر النقاش.

قبل عدة سنوات كان الحديث بشكل كبير عن الميتافيرس وغيرها من التقنيات المتقدمة، واليوم أصبح الذكاء الاصطناعي هو المحور الأبرز، من مراكز البيانات والقدرة الحوسبية إلى التطبيقات التي تستخدمها الشركات.

وخلال 4 سنوات فقط تغيرت أولويات تقنية كثيرة، وهذا ينعكس على طريقة بناء الإستراتيجيات نفسها. فالتخطيط لـ5 سنوات على افتراض أن الأولويات ستبقى كما هي أصبح أكثر صعوبة، خصوصا في قطاع تتحرك فيه التقنية بهذه السرعة.

لذلك من الممكن أن تكون الرؤية طويلة، لكن التنفيذ يحتاج إلى مراحل أقصر وأكثر مرونة، لأن التقنية والمنافسة واحتياجات العملاء قد تتغير خلال فترة قصيرة.

ويمكن ملاحظة ذلك من خلال تطور مؤتمر ليب خلال السنوات الماضية. ففي النسخة الأولى عام 2022 تجاوزت الاستثمارات والإطلاقات المعلنة 6.4 مليار دولار، لترتفع إلى أكثر من 9 مليارات في 2023، ثم 13.4 مليار في 2024، وأكثر من 14.9 مليار دولار في 2025. أما في نسخة هذا العام فتجاوزت الإطلاقات والاستثمارات والشراكات المعلنة 15 مليار دولار منذ اليوم الأول.

والأهم هو أين تذهب هذه الاستثمارات، فما كان قبل عدة سنوات يتجه إلى تقنيات مثل الميتافيرس، أصبح اليوم يتركز بشكل أكبر على الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية ومراكز البيانات والقدرة الحوسبية.

وحتى داخل الذكاء الاصطناعي نفسه تغيرت الأولويات بسرعة. بدأ التركيز على النماذج التوليدية، ثم توسع إلى الذكاء الاصطناعي الوكيلي، بالتزامن مع استثمارات أكبر في البنية التي تسمح باستخدام هذه التقنيات فعليا وعلى نطاق أوسع.

وهذه السرعة بدأت تظهر حتى في طريقة التخطيط. شركة Gartner مثلا توصي قادة المؤسسات والشركات بالعمل وفق خطة تمتد إلى نحو 18 شهرا لتحويل طموحات الذكاء الاصطناعي إلى نتائج فعلية. وهذا لا يعني أن إستراتيجية الذكاء الاصطناعي تنتهي بعد 18 شهرا، لكنه يوضح كيف أصبحت دورة التنفيذ والمراجعة أقصر.

فمن الممكن أن تكون لدى الشركة رؤية لـ5 أو 10 سنوات، لكنها تتحرك نحوها عبر مراحل أقصر، لكل مرحلة أهداف يمكن قياسها، ثم تتم مراجعة ما تحقق وما تغير قبل الانتقال إلى المرحلة التالية.

وهذا مهم بشكل أكبر في التقنية، لأن بعض الافتراضات التي تبدو منطقية اليوم قد تتغير بعد سنة أو سنتين. لذلك أصبحت القدرة على تعديل المسار جزءا من قوة الإستراتيجية نفسها.

وربما هذا أحد الدروس التي يمكن قراءتها من ليب خلال السنوات الماضية. التقنية التي كانت تتصدر النقاش قبل عدة أعوام ليست بالضرورة هي التي تستقطب الجزء الأكبر من الاستثمار اليوم، وما يتصدر المشهد اليوم قد يتغير أيضا خلال فترة قصيرة.

لذلك لم تعد قيمة الإستراتيجية تعتمد فقط على قدرتها على رسم المستقبل، وإنما على سرعة تحويلها إلى تنفيذ، والتعلم من النتائج، وإعادة ترتيب الأولويات مع تغير السوق والتقنية.

كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية