الخميس, 3 سبتمبر 2026|20 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

منذ انطلاق مؤتمر ليب في الرياض 2022، نما الحدث عاماً بعد عام، ليصل في 2026 إلى نسخته الخامسة، جامعاً شركات التقنية والمستثمرين ورواد الأعمال والمبتكرين من شتى دول العالم. وقد تجاوز حضور نسخته السابقة 200 ألف زائر، فيما تستقطب نسخة هذا العام أكثر من 1,800 علامة تقنية عالمية، و1,000 متحدث، و1,900 مستثمر، إلى جانب أكثر من 600 شركة ناشئة.

ولا تتوقف أهمية هذه الأرقام عند حجم الحضور، فالإعلانات التي صاحبت انطلاق هذه النسخة، شملت استثمارات وشراكات وإطلاقات بمليارات الدولارات في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية والتقنيات المتقدمة، تعكس حجم الحراك في هذه القطاعات. والأهم هو أثر هذه الاستثمارات في الاقتصاد المحلي، من خلال توطين التقنية والمعرفة، وإيجاد وظائف نوعية، ودعم نمو الشركات المحلية، وتطوير سلاسل القيمة، بما يعزز تنويع الاقتصاد وتنافسيته ومكانة السعودية في الاقتصاد الرقمي العالمي.

ويأتي هذا الحراك ضمن مسار تنموي واستثماري واضح تقوده رؤية السعودية 2030، التي أسهمت في بناء بيئة جاذبة للاستثمار، ودعم الاقتصاد الرقمي، وتمكين الابتكار وريادة الأعمال وتوطين التقنيات.

ومن هنا، ينبغي أن تكون الشركات الناشئة والمبتكرون السعوديون من أبرز المستفيدين من ليب. فالتحدي أمام كثير من الشركات الناشئة لا يكمن دائمًا في تطوير التقنية أو ابتكار الحل، بل في اختصار المسافة بين الفكرة والسوق، والوصول إلى العميل الأول، والمستثمر المناسب، والشريك القادر على مساعدتها في الانتقال من النموذج الأولي إلى المنتج، ثم إلى السوق والنمو.

وهنا تبرز قيمة ليب؛ فاجتماع هذا العدد من المستثمرين والشركات التقنية وصناع القرار والخبراء في مكان واحد يتيح بناء علاقات يصعب تحقيقها بالسرعة نفسها عبر قنوات التواصل التقليدية.

وقد يختصر لقاء لا يستغرق سوى دقائق مسارًا كان يمكن أن يمتد لأشهر. لذلك، لا ينبغي أن تقيس الشركة الناشئة نجاح مشاركتها بعدد زوار جناحها، بل بما خرجت به من فرص: كم مستثمرًا قابلت؟ وكم عميلًا محتملاً تعرّف إلى منتجها؟ وهل قاد اللقاء إلى اجتماع لاحق أو تجربة ميدانية أو شراكة أو استثمار؟

وهذا يتطلب دخول مثل هذه التجمعات بعقلية تطوير الأعمال، لا بعقلية المشاركة في معرض فحسب. فالاستعداد يبدأ بعرض واضح ومختصر يشرح المشكلة والحل، وحجم السوق، والميزة التنافسية، ونموذج الإيرادات، والنتائج المحققة. فالمستثمر لا يبحث عن التقنية وحدها، والعميل لا يشتري الابتكار لمجرد كونه مبتكراً؛ فكلاهما يبحث عن قيمة قابلة للقياس.

ويمثل ليب كذلك فرصة للمبتكرين والباحثين وأصحاب براءات الاختراع والنماذج الأولية للالتقاء بمن يستطيع نقل ابتكاراتهم إلى السوق. فقد تكون براءة اختراع أو نتيجة بحثية اليوم نواة لشركة تقنية واعدة غداً، متى توافر لها الشريك والتمويل والبيئة المناسبة.

وهنا تبرز أهمية بناء جسور أكثر فاعلية بين البحث العلمي والسوق. ولا تنتهي قيمة المشاركة بانتهاء أيام المؤتمر، بل ربما تبدأ بعدها؛ عندما تتحول اللقاءات إلى اجتماعات، ثم إلى تجارب وعقود وشراكات طويلة الأجل. لذلك، لا ينبغي أن يقتصر سؤال رائد الأعمال أو المبتكر على، ماذا شاهدت في ليب؟ بل الأهم، ما الفرصة التي صنعتها، وكيف ستحولها إلى قيمة مستدامة؟

فنجاح ليب لا يُقاس بعدد الحضور أو حجم الإعلانات وحدهما، بل بما ينتج عنه من شركات تنمو، واستثمارات تتحول إلى قيمة محلية، وابتكارات تصل إلى السوق، ووظائف نوعية تُخلق. وكلما تحولت اللقاءات إلى أعمال حقيقية، اتسع أثرها في تنويع الاقتصاد ورفع التنافسية.

وهنا تكمن الرسالة الأهم لليب، صناعة المستقبل لا تبدأ باستعراض التقنية، بل بتحويلها إلى فرص، والفرص إلى استثمارات ومنتجات وشركات تصنع أثراً اقتصادياً مستداماً.

أستاذ وباحث في الهندسة والأنظمة الابتكارية

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية