لنترك الاتحاد الأوروبي بعلاقاته الاقتصادية المتنامية والمفاجئة مع الصين. فهذه الكتلة التي تمثل ثاني أكبر اقتصاد في العالم، لم تتردد في التوجه نحو بكين، معتمدة على لغة هادئة مع بلد كان ينظر إليه حتى وقت قريب جداً، بعين الشك والريبة. التحولات على الساحة الأمريكية، كانت السبب المباشر والوحيد للحراك الأوروبي، خصوصاً بعد أن حلت مكان امتيازات الحليف، متطلبات تجارية من جانب إدارة الرئيس دونالد ترمب، تشمل كل الدول.
المعيار لم يعد يسند إلى العلاقة التحالفية، بل إلى مدى المكاسب الاقتصادية التي ستحققها الولايات المتحدة. صحيح أن العلاقات الأوروبية الصينية تشهد اتساعاً، لكن الصحيح أيضاً، أنها لا تزال ضمن نطاق حسابات التقلبات الحالية، وليست على أساس إستراتيجي.
الجانب الأكثر حساسية في التحولات التجارية الدولية، هو العلاقة الجديدة لكل من بريطانيا وكندا مع الصين، وهي (كما الأوروبية) علاقة تم دفعها للأمام بفعل مواقف واشنطن التجارية، والخلافات السياسية أيضاً مع "الحلفاء". زيارة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الأخيرة لبكين أخيراً، شكلت صدمة حقيقية في البيت الأبيض، ما دفع ترمب إلى توجيه تحذيرات علنية للندن من الاتفاقات مع الصين.
وهي في الواقع توازي قوة تحذيراته لجارته كندا، التي قام رئيس وزرائها مارك كارني بزيارة بكين في خضم تلاسن علني بينه وبين الرئيس الأمريكي. الواضح أن كارني، لم يعد يهتم بالعلاقة التاريخية الخاصة مع واشنطن، في الوقت الذي فقدت فيه القواسم المشتركة، وتعالت التهديدات ولا سيما من الجانب الأمريكي.
ما يقلق ترمب حقيقة، الموقف الكندي، والتحول البريطاني تجاه الصين. فالمملكة المتحدة تتمتع تاريخياً بمعاملة خاصة من الجانب الأمريكي، حتى عندما كانت عضواً في الاتحاد الأوروبي. والحق أن الخطوة البريطانية الأخيرة، جاءت نتيجة توجه حكومة ستارمر العمالية منذ وصولها قبل عام ونصف العام إلى الحكم، لإعادة ما يسمى "ضبط العلاقات مع بكين".
لكن "التصادم" في المواقف بين واشنطن ولندن، إضافة إلى التعريفات الجمركية المتعددة، عجلت من وتيرة الضبط المشار إليها. حاولت الحكومة البريطانية الحالية، بالرغم من خلافها الأيديولوجي مع الرئيس الأمريكي، أن ترضي الأخير، لضمان بقاء العلاقة الخاصة بين البلدين، لكن خرجت الأمور عن السيطرة أخيراً، سواء فيما يخص مطالبة ترمب بإقليم جرينلاند، أو الرؤية الأمريكية للحرب الروسية الأوكرانية، إضافة إلى ما تركته الإجراءات التجارية الأخيرة.
لا يبدو أن هناك مجالا لعودة الأمور إلى ما كانت عليه، قبل وصول دونالد ترمب مرة أخرى إلى البيت الأبيض. فالخلاف تتسع دائرته، بما في ذلك نظرة الأخير لحلف شمال الأطلسي "الناتو". ومن الواضح، أن التوتر الراهن سيستمر، بل سوف ترتفع وتيرته أكثر، إذا ما تعمقت العلاقات البريطانية مع الصين أكثر في المرحلة المقبلة، حتى لو كانت ضمن نطاق محسوب ومضبوط. حلفاء الأمس ليسوا كذلك اليوم.
كاتب اقتصادي
