المخزونات النفطية في معظم دول جنوب شرق آسيا لا تكفي إلا لفترة تتراوح بين 20 و50 يوماً
• %90 من النفط و83% من الغاز الطبيعي المسال الذي يعبر هرمز يتجه إلى آسيا
•
• أسعار الوقود المرتفعة تُسجل موجة اضطرابات في مختلف أنحاء المنطقة
•
• آسيا بحاجة لتقليص تعرضها لصدمات النفط عبر تنويع مصادرها وتعزيز احتياطياتها
•
- الخلاصة
تعاني آسيا من تداعيات اقتصادية خطيرة بسبب حرب إيران وتأثيرها في تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز، حيث تعتمد 90% من النفط و83% من الغاز الطبيعي المسال على هذا المضيق. تواجه دول آسيا تحديات في تأمين الطاقة، مع إجراءات حكومية لمواجهة الأزمة، بينما تعزز الصين دورها الدبلوماسي وتدعو لتعاون إقليمي لتقليل المخاطر.
تضع التوترات في الشرق الأوسط العالم في حالة ترقب، لكن وقع الصدمات الاقتصادية على آسيا بات مقلقاً إلى درجة دفعت قادة المنطقة، المعروفين تقليدياً بتحفظهم، إلى التعبير عن مواقفهم علناً. فمن أكثر الاقتصادات تماسكاً إلى الأكثر هشاشة، تعتمد آسيا بشكل غير مسبوق على تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز.
لخص وزير خارجية سنغافورة فيفيان بالاكريشنان هذا الواقع بوضوح، حين وصف الولايات المتحدة بأنها "قوة مراجِعة" قد يعتبرها البعض حتى "قوة مُزعزعة". وجاءت تصريحاته في سياق الحديث عن حرب إيران ودور أمريكا في آسيا، لكنها امتدت إلى ما هو أبعد من ذلك، لتشمل تآكل النظام الدولي الذي قادته واشنطن بعد الحرب، والذي "أرسى فترة استثنائية من السلام والازدهار"، وهو أساس، كما أشار الأسبوع الماضي، لم يعد قائماً الآن.
آسيا تتحمل تكلفة حرب لا تخصها
لا يقتصر الأمر على خطاب يبرز القلق، بل يكشف عن اضطراب أعمق بشأن كيفية انتقال تداعيات نزاع بعيد عن سواحل آسيا، صاغته قرارات في واشنطن وتل أبيب، ليؤثر مباشرة في الأسر والشركات في المنطقة.
ولفت بالاكريشنان إلى أن نحو 90% من النفط و83% من الغاز الطبيعي المسال الذي يعبر مضيق هرمز يتجه إلى آسيا، قائلاً إن "إغلاق مضيق هرمز يُعد، في الوقت الراهن، أزمة آسيوية إلى حد ما".
عادةً ما تتسم سنغافورة، بوصفها دولة مدينة ثرية، بالدقة في خطابها، لذا عندما تتحدث بهذه الصراحة، فإن صدى تصريحاتها يتردد في أنحاء المنطقة. وقد رصدت إحباطاً مماثلاً من عدة دبلوماسيين في أنحاء آسيا، الذين أخبروني بشكل خاص أنهم سئموا من تقلبات السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي دونالد ترمب. فبعد أن اضطروا إلى التكيف مع نظام رسوم جمركية غير متوقع، ثم المطالبة بزيادة الإنفاق الدفاعي، بما يزعزع ضمانات أمنية راسخة منذ عقود، يتعزز الآن شعور بأنهم يتحملون كلفة حرب لا تعنيهم مباشرة.
تتمكن الاقتصادات الأكثر ثراءً، مثل الصين واليابان وسنغافورة، بفضل احتياطياتها المالية والإستراتيجية الضخمة، من امتصاص الصدمة، على الأقل على المدى القصير، لكن دولاً أخرى أكثر عرضةً للخطر. إذ لا تمتلك معظم دول جنوب شرق آسيا سوى مخزونات نفطية تكفي لفترة تتراوح بين 20 و50 يوماً، وفق تقديرات معهد البحوث الاقتصادية لآسيان وشرق آسيا.
إجراءات حكومية لمواجهة أزمة الطاقة
في ظل ذلك، تجد بعض الحكومات نفسها مضطرة لاتخاذ إجراءات حاسمة، بدءاً من إعلان حالة طوارئ وطنية في قطاع الطاقة، وتمتد إلى إغلاق الجامعات مبكراً، بل وحتى دعوة مشجعي الكريكيت للبقاء في منازلهم ومتابعة المباريات عبر التلفزيون لتوفير الوقود.
أصبحت التداعيات السياسية أكثر صعوبة في الاحتواء، مع ترجيحات بتفاقمها، في ظل تزايد مخاطر اضطراب التجارة عبر البحر الأحمر، أحد الشرايين الحيوية لإمدادات الطاقة إلى آسيا، بفعل تدخل الحوثيين. ففي مختلف أنحاء المنطقة، تُشعل أسعار الوقود المرتفعة موجة من الاضطرابات، فقد دخل عمال النقل في الفلبين في إضراب، وشهدت مناطق في تايلندا موجات شراء بدافع الذعر، بينما أثارت قيود إمدادات غاز البترول المسال المستخدم في الطهي في الهند احتجاجات من قبل نواب المعارضة.
تحولات جيوسياسية آسيوية
يعيد النزاع رسم ملامح الجغرافيا السياسية الإقليمية بشكل واضح. ففي خضم أزمة وقود وطنية، ألمح رئيس الفلبين فرديناند ماركوس جونيور إلى أن مانيلا، التي تُعد من أبرز خصوم بكين في نزاعات بحر الصين الجنوبي، قد تنفتح على خيار التنقيب المشترك عن النفط والغاز في المياه المتنازع عليها. ومجرد طرح هذا الخيار لا يعكس الثقة، بل اليأس.
في الوقت نفسه، تعزز الصين حضورها الدبلوماسي، مقدمة نفسها كوسيط سلام عالمي، حيث عرضت المساعدة لإنهاء الأعمال العدائية. وخلال منتدى بوآو الآسيوي في هاينان، الذي يُوصف غالباً بأنه النسخة الصينية من دافوس، دعا رئيس وزراء سنغافورة لورانس وونج بكين إلى توسيع دورها في دعم الاستقرار والنمو الإقليميين، مشيراً إلى جاذبية سوقها المحلية الضخمة.
لكن بعض هذه التوقعات مجرد أمنيات، فاقتصاد الصين يتباطأ، ولم تتحقق بعد الطفرة الاستهلاكية التي طال انتظارها. كما أن فائضاً تجارياً يتجاوز تريليون دولار يدفع موجة من الصادرات إلى الأسواق الآسيوية، ما يضغط على الصناعات المحلية وفرص العمل، كما ذكرت سابقاً.
وفي موازاة ذلك، يواصل جيش التحرير الشعبي الصيني توسعه العسكري السريع، بالتزامن مع تصاعد المواجهات في بحر الصين الجنوبي واستمرار الضغوط حول تايوان، ما يغذي حالة التوتر الإقليمي. وبينما تسعى بكين إلى تقديم نفسها كعامل استقرار، يبقى المشهد أكثر تعقيداً مما يبدو.
حلول الطاقة الإقليمية
لا يتمثل الحل العملي لآسيا في الاصطفاف إلى جانب أي طرف، بل في تقليص تعرضها لصدمات أسعار النفط، عبر تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الاحتياطيات الإستراتيجية، وتوسيع التعاون الإقليمي بما يحد من المخاطر.
وقد بدأت بعض هذه الجهود بالفعل، إذ يشكل الاتفاق الأخير بين أستراليا وسنغافورة لتعزيز أمن الطاقة نموذجاً عملياً يمكن للآخرين الاقتداء به. ويمكن لمثل هذه الشراكات، التي فرضتها الضرورة، أن تتحول إلى أسس لنظام إقليمي جديد يحل محل نظام لم يعد يعكس واقع اليوم.
كشفت أزمة مضيق هرمز عن نقطة ضعف جوهرية، إذ تُجبر آسيا على تحمل تكاليف نزاع لا تملك السيطرة عليه. ورغم أن تقليص هذا الاعتماد لن يكون مهمة سهلة، فإن تكلفة الفشل في ذلك بات من الصعب التغاضي عنها الآن.
كاتبة في بلومبرغ تغطي السياسة الآسيوية مع التركيز على الصين. كانت مذيعة بي بي سي الرائدة في آسيا سابقا وعملت لدى بي بي سي في جميع أنحاء آسيا وجنوب آسيا لمدة عقدين من الزمن
خاص بـ " بلومبرغ"
