الاثنين, 12 أكتوبر 2026|29 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

عندما تتعرض أرباح الشركات للضغط، تعيد الإدارة مراجعة عدد من بنود الإنفاق، وتكون تكاليف الموظفين أحدها. وقد يبدأ ذلك بتجميد التوظيف أو تقليص بعض المزايا، وقد يصل في بعض الحالات إلى تسريح جزء من العاملين. ورغم أن هذه القرارات تحقق أثرًا ماليًا سريعًا، فإنها قد تخلق تكاليف أخرى لا تظهر مباشرة في القوائم المالية.

فخروج الموظف صاحب الخبرة يفرض على الشركة تكلفة البحث عن بديل وتوظيفه وتدريبه. وقد تفقد خلال هذه الفترة معرفة تراكمت داخل المنشأة أو علاقة مهمة مع أحد العملاء، إلى أن يصل الموظف الجديد إلى مستوى الأداء المطلوب.

لهذا تبرز فكرة الرأسمالية الواعية، أو ما يسمى بـConscious Capitalism وهي تقوم على أن أرباح الشركة ترتبط بعلاقتها بموظفيها وعملائها ومورديها، لأن هذه الأطراف تسهم في قدرتها على النمو والاستمرار.

تقدم ستاربكس مثالًا واضحا على ذلك، إذ تغطي الرسوم الدراسية لأول درجة بكالوريوس للموظفين المؤهلين في الولايات المتحدة، من خلال البرامج الإلكترونية لجامعة ولاية أريزونا. وبحلول مايو 2026، اقترب عدد الموظفين الذين تخرجوا عبر البرنامج من 20 ألفا.

قد تبدو هذه الميزة مرتفعة التكلفة، لكنها تمنح الشركة أداة لاستقطاب الموظفين والاحتفاظ بهم في قطاع يعرف بارتفاع دوران العمالة. فالموظف الذي يرى فرصة حقيقية للتعلم والتقدم قد يصبح أكثر ارتباطًا بمكان العمل، وأقل ميلًا إلى المغادرة سريعًا.

ولا يقتصر هذا النهج على الموظفين. فقد أعلنت ستاربكس وصولها إلى توزيع 100 مليون شجرة قهوة على المزارعين، لمساعدتهم على تجديد مزارعهم والتكيف مع الظروف المناخية الصعبة. وقد تبدو المبادرة دعما للموردين، لكنها تخدم مصلحة الشركة أيضًا، لأن تعزيز قدرة المزارعين على الإنتاج يسهم في تقليل المخاطر التي قد تواجه إمدادات القهوة مستقبلا.

وتتبنى شركة كوستكو نهجا مشابها، إذ تحافظ على مستويات تعويض أعلى من متوسط القطاع لجزء كبير من موظفيها. وتقول الشركة إن هذه السياسة تساعدها على خفض دوران الموظفين ورفع الإنتاجية وتحسين رضاهم. ورغم ارتفاع التكلفة، تراهن كوستكو على أن الاحتفاظ بالموظف صاحب الخبرة أكثر جدوى من استبداله باستمرار.

وتظهر العلاقة بين الموظف ونتائج الأعمال في تحليل واسع أجرته شركة غالوب، وشمل أكثر من 3.3 مليون موظف. فقد سجلت فرق العمل الأعلى في الارتباط الوظيفي ربحية أعلى بنحو 23%، وإنتاجية مبيعات أعلى بنحو 18%، مقارنة بالفرق الأقل ارتباطًا. كما سجلت معدلات أقل في دوران الموظفين.

ولا تعني هذه النتائج أن زيادة الرواتب أو المزايا ترفع الأرباح تلقائيا. فالارتباط الوظيفي لا يعتمد على التعويضات وحدها، بل يتأثر أيضًا بجودة الإدارة ووضوح الأهداف وفرص التطور والعلاقة مع المدير. لكنها تشير إلى أن تجربة الموظف ترتبط بأداء الشركة، وليست موضوعا منفصلًا عنه.

ويكمن التحدي في قدرة الإدارة على قياس أثر هذه المبادرات. فقد تنفق بعض الشركات مبالغ كبيرة تحت عنوان الاستثمار في الموظفين، دون أن يظهر أثر واضح في أعمالها. لذلك لا يكفي إطلاق المبادرات أو وصفها بأنها استثمار في رأس المال البشري.

يجب أن يظهر العائد في انخفاض دوران الموظفين، وارتفاع الإنتاجية، وتحسن جودة الخدمة ورضا العملاء. فإذا دفعت الشركة أكثر دون أن تتحسن نتائجها، تكون قد رفعت تكاليفها فقط. أما إذا انعكس الاستثمار في الموظفين على كفاءة التشغيل وقدرة الشركة على تنمية أرباحها، فقد نجحت في تحويل المصروف إلى قيمة اقتصادية قابلة للقياس.

ويبقى السؤال هو ما الذي تحققه الشركة من إنفاقها على الموظفين؟

كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية