سارا العلقم
أصدرت وكالة الطاقة الدولية تقريرها الأخير لأسواق النفط، متضمّنًا مراجعات لافتة في توقعات الطلب، ما أثار تساؤلات واسعة حول دقة هذه التقديرات. وغالبًا ما يُختزل النقاش في الحكم على النتائج، بين من يراها متحفظة أو “متشائمة”، ومن يشكك في مصداقيتها. غير أن هذا الطرح يغفل جانبًا أكثر أهمية: المنهجية التي تُنتج هذه التوقعات في المقام الأول.
ولفهم هذه المنهجية، من الضروري العودة إلى السياق التاريخي لنشأة الوكالة. فقد تأسست 1974 في أعقاب أزمة النفط 1973، ضمن إطار مؤسسي هدفه تعزيز أمن الطاقة في الدول الصناعية الأعضاء، وتقليل تعرضها لصدمات الإمدادات. ومع مرور الوقت، توسّع دور الوكالة ليشمل تحليل أسواق الطاقة عالميًا، إلا أن هذا الأصل المؤسسي لا يزال يفسّر زاوية النظر التي تتبناها عند تقييم المخاطر ومسارات الطلب.
من الناحية الفنية، تعتمد تقارير وكالة الطاقة الدولية على نماذج كمية لتحليل توازنات العرض والطلب، مدعومة بقاعدة بيانات واسعة تشمل مؤشرات الاقتصاد الكلي، واستهلاك الطاقة حسب القطاعات، ومستويات الإنتاج، والمخزونات، والتجارة الدولية. وتُستمد هذه البيانات من مصادر حكومية، ومنظمات دولية، وشركات طاقة، إضافة إلى أنظمة التحليل الخاصة بالوكالة.
غير أن الانتقال من البيانات إلى التوقعات لا يتم بشكل مباشر، بل عبر نماذج رياضية تربط بين المتغيرات الاقتصادية وسلوك الطلب على الطاقة. فعلى سبيل المثال، يُستخدم مفهوم مرونة الطلب السعرية لقياس مدى استجابة الاستهلاك لتغير الأسعار، حيث يؤدي ارتفاع الأسعار عادةً إلى تراجع الطلب بدرجات متفاوتة حسب القطاع والزمن. كما تعتمد النماذج على العلاقة بين النمو الاقتصادي واستهلاك الطاقة، مع تعديل هذه العلاقة وفق تحسن كفاءة الطاقة والتغيرات الهيكلية في الاقتصادات.
وتستخدم الوكالة كذلك تحليل السيناريوهات، حيث تُبنى التوقعات على مسارات متعددة تستند إلى فرضيات تتعلق بالنمو الاقتصادي، والسياسات المناخية، والتطور التكنولوجي، والعوامل الجيوسياسية. وضمن هذا الإطار، لا تمثل النتائج أرقامًا ثابتة بقدر ما تعكس احتمالات مشروطة بتحقق هذه الفرضيات.
وتعمل هذه النماذج ضمن بيئة عالية من عدم اليقين، حيث يمكن لتغير عامل واحد مثل سعر النفط أو وتيرة النمو الاقتصادي أن يعيد تشكيل التوازنات بالكامل. وهو ما يفسّر التعديلات الحادة التي قد تطرأ على التوقعات خلال فترات زمنية قصيرة.
وعند مقارنة هذه التقديرات مع تلك الصادرة عن منظمة أوبك، يتضح أن الفروقات لا تعود إلى اختلاف جوهري في البيانات، إذ تنطلق المؤسستان من قواعد معلومات متقاربة إلى حد كبير. غير أن الاختلاف يظهر بوضوح في الفرضيات التي تُبنى عليها النماذج.
ففي حين تميل وكالة الطاقة الدولية إلى افتراض تسارع التحول في مزيج الطاقة العالمي، وارتفاع كفاءة الاستخدام، وتشدد السياسات البيئية، تفترض أوبك استمرارية نمو الطلب مدفوعًا بالاقتصادات الناشئة، وبطء وتيرة التحول الطاقي.
كما يمتد هذا الاختلاف إلى المعاملات المستخدمة داخل النماذج، مثل تقدير مرونة الطلب وسرعة انتشار التقنيات البديلة، وهو ما يؤدي إلى نتائج متباينة حتى عند استخدام نفس قاعدة البيانات.
إن ما يبدو كتقديرات متشائمة ليست إلا انعكاسًا لفرضيات جرى ترجيحها مسبقًا، بما يتسق مع المنظور الذي تنطلق منه الوكالة، التي تعطي وزنًا أكبر لعوامل التغير الهيكلي في اسوق الطاقة. إذ إن افتراض استجابة أعلى للطلب تجاه الأسعار، أو تسارع تبني التقنيات الجديدة، يقود بطبيعته إلى توقعات أكثر تحفظًا تجاه نمو الطلب.
وبذلك، فإن النماذج لا تعكس الواقع كما هو، بل تعكس تصورًا معينًا لكيفية تطوره، وهو ما يجعل الفرضيات عنصرًا حاسمًا يتجاوز في تأثيره البيانات نفسها. في النهاية، لا يكمن الاختلاف بين تقارير الطاقة في البيانات، بل في الطريقة التي تُفسَّر بها هذه البيانات. فحتى مع تطابق الأرقام، تبقى الفرضيات سواء كانت تميل إلى التحفظ أو التفاؤل هي العامل الحاسم.
مهندسة بترول وباحثة في اقتصادات الطاقة
