دانية أركوبي
اضطرابات في الأسواق، قلق المستثمرين، أسهم عمالقة التكنولوجيا في أزمة، فقاعة قادمة في الطريق. كلها مصطلحات تتردد كثيراً هذه الأيام والسبب واحد، الإنفاق على تطوير الذكاء الاصطناعي وعوائده. يبدو هذا القلق طبيعي، فالأرقام المتداولة للاستثمار الرأسمالي من عدد محدود من الشركات الكبرى تتجاوز ميزانيات دول بأكملها، بل تتفوق على بند الاستثمارات الرأسمالية مثل البنية التحتية لميزانيات حكومات متقدمة.
في هذه الأوقات الشك هو مؤشر صحي، فالمستثمر لا تشغله طموحات السيطرة والاستحواذ، بقدر ما يؤرقه العائد على الاستثمار والعوائد والأرباح. وبالأخص عندما نتحدث عن قطاع لم يتمكن حتى الآن من بناء نماذج تدر إيرادات كافية ليس لتحقيق أرباح، وإنما للوصول لنقطة التعادل.
ولكن لماذا أثيرت الضجة بشدة خلال العام الحالي؟ الإجابة أن الشركات الكبرى في قطاع التكنولوجيا قررت أن تلقي بثقلها، وفقاً للتقديرات فإن الإنفاق المرصود لتطوير الذكاء الاصطناعي من 4 شركات فقط في الولايات المتحدة (ألفابت، أمازون، مايكروسوفت، ميتا) من المتوقع أن يصل في 2026 إلى 650 مليار دولار. هنا الحديث عن عدد محدود من الشركات في سوق واحدة فقط في عام واحد فقط.
تغطي هذه الاستثمارات مصفوفة تطوير الذكاء الاصطناعي بالكامل، التي تبدأ من الطاقة، والبنية التحتية لإقامة مراكز البيانات وتشغيلها، والرقائق الإلكترونية المتقدمة، وصولًا إلى تطوير النماذج وتدريبها سواء الخاصة بالشركات أو عبر الاستثمار والاستحواذ على شركات ناشئة ورائدة في السوق، ونهاية بتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
بالنسبة إلى الشركات والحكومات هذه الأرقام مبررة، فالتأخر في حجز مقعد في مستقبل يقوده الذكاء الاصطناعي يعرضهم لخطر التآكل والاندثار، بالتالي هو استثمار حيوي يضمن البقاء والاستمرارية. فالشركات التي لم تواكب الثورات الصناعية السابقة أصبحت في الأغلب جزءا من التاريخ. كما أن هذه الاستثمارات الضخمة المرصودة تحدث مرة واحدة، وهي ضرورية لتشييد البنية التحتية الأساسية لخدمة الذكاء الاصطناعي على مدى عقود مقبلة.
بجانب الأهمية المتزايدة للذكاء الاصطناعي في تحريك الأنشطة الاقتصادية، في الربع الثالث من 2025 أسهمت استثمارات القطاع في نحو 40% من نمو الناتج المحلي، معوضة التباطؤ في القطاعات الأخرى.
ولكن بالنسبة إلى المستثمرين فإن ذلك يحمل مخاطر واضحة، فإيرادات الذكاء الاصطناعي غير مجزية مقارنة بالإنفاق. كما أن تمويل هذا الإنفاق الضخم لن يكون عن طريق فوائض وسيولة متاحة، وإنما سيتم اقتراض جزء مهم من أسواق السندات، ما يضفي أعباء مالية إضافية على المراكز المالية للشركات على المدى المتوسط والطويل.
عامل التكلفة له أيضا دور في حالة القلق لدى المستثمرين وبالأخص في الولايات المتحدة. فعندما ظهر نموذج الذكاء الاصطناعي "ديب سيك" منخفض التكلفة مقارنة بالنماذج المقدمة من شركات مثل "أوبن إيه آي" وميتا ومايكروسوفت. أدى ذلك إلى قلق في الأسواق وتهاوي سريع في أسهم قطاع التكنولوجيا، وأوجد حالة من عدم اليقين مرتبطة بكفاءة الإنفاق وحجم الاستثمارات المطلوبة لتطوير القطاع.
الصراع بين الصين والولايات المتحدة على الريادة في الذكاء الاصطناعي يعزز مخاوف المستثمرين. فالقطاع من وجهة النظر القومية والإستراتيجية لم يعد هدفه الربحية، وإنما قيادة السباق والتفوق على الطرف الآخر. ما يجعل جزءا كبيرا من الاستثمارات والمنشآت مثل مراكز البيانات في مرمى نيران الشك عن جدوتها الاقتصادية الحالية وعائدها الاستثماري المتوقع في السنوات المقبلة.
الحديث عن الفقاعة المنتظرة في القطاع له دور في تعزيز الشكوك حول فاعلية الاستثمارات المخصصة لتطوير للبنية التحتية للقطاع. فارتفاع التقييمات لشركات الذكاء الاصطناعي الناشئة، وتسارع الصناديق والمؤسسات لضخ استثمارات أو الاستحواذ عليها بأرقام مبالغ فيها، بجانب الطفرة في أداء شركات مرتبطة بسلاسل توريد القطاع مثل الرقائق الإلكترونية، تغذي نظريات الفقاعة وتذكر الجميع بما حدث في بداية القرن الحالي مع شركات الإنترنت أو ما يعرف بفقاعة الدوت كوم.
في الختام يعيش قطاع الذكاء الاصطناعي حالة عدم يقين، من ناحية تضخ الشركات مئات المليارات من الدولارت لبناء قاعدة لقيادة ثورة التقنية، ومن ناحية يضغط المستثمرون والأسواق مع مخاوف من أزمات مالية وفقاعات سوقية. ولكن تبقى الحقيقة الراسخة أن القطار قد انطلق ولن يعود إلى الوراء، وقد تجاوز فكرة الربحية إلى الوجودية للدول والشركات، فمخاطر اليوم لا تقارن بتهديدات التخلف في المستقبل. فمن يستثمر اليوم سيتولي زمام القيادة غداً.
مستشارة اقتصادية
