الأربعاء, 28 أكتوبر 2026|16 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية


أريج كعكي

تمضي السعودية في تعزيز دور القطاع الخاص بوصفه شريكًا رئيسيًا في مسيرة التنويع الاقتصادي، مدعومةً بتطور منظومة التمويل التنموي واتساع الفرص الاستثمارية في مختلف القطاعات. وقد بلغت مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي 51% في 2025، متجاوزةً المستهدف السنوي البالغ 47%، فيما تستهدف رؤية 2030 رفع هذه المساهمة إلى 65%. ومع دخول الرؤية مرحلتها الثالثة، يبرز سؤال المرحلة المقبلة: كيف يمكن للموارد التنموية أن تستقطب أكبر قدر من الاستثمار الخاص؟

تنطلق الإجابة من مبدأ اقتصادي أساسي: لا يُقاس أثر التمويل التنموي بحجم الأموال التي يتيحها فحسب، بل بقدرته على تحفيز استثمارات إضافية لم تكن لتتحقق لولاه، أو كانت ستتحقق بحجم أقل أو بتكلفة أعلى. ويُعرف ذلك بمفهوم "الإضافية الاستثمارية"، الذي يميّز بين التمويل الذي تقدمه الأدوات التنموية والاستثمار الذي تسهم فعليًا في استقطابه. وتكمن أهمية هذا التمييز في أنه ينقل تقييم الأداء من قياس حجم التمويل إلى فهم أثره في النشاط الاقتصادي.

وتختلف آليات قياس الإضافية باختلاف الأداة التمويلية؛ ففي الإقراض المباشر، يُنظر إلى الاحتياج الذي يلبيه التمويل، وفي الضمانات إلى دور تقاسم المخاطر في تيسير الائتمان، أما في الاستثمار في حقوق الملكية ورأس المال الجريء، فيُقاس الأثر بمدى إسهام التمويل في جذب مستثمرين آخرين إلى مشاريع قد تتردد رؤوس الأموال التقليدية في تمويلها. ويتيح هذا النهج تقييمًا أكثر دقة لدور كل أداة في تحفيز الاستثمار الخاص.

وتقدم ضمانات التمويل مثالًا واضحًا على ذلك. فقد أسهم توسع برامج الضمان في المملكة في تعزيز فرص حصول المنشآت الصغيرة والمتوسطة على التمويل، ولا سيما المنشآت التي تمتلك فرصًا واعدة للنمو، لكنها تواجه محدودية في الضمانات أو في تاريخها الائتماني. فالضمان لا يحل محل التمويل المصرفي، بل يتحمل جزءًا من مخاطر الائتمان، بما قد يجعل تمويل منشآت جديدة أو التوسع في أنشطتها أكثر جدوى للممولين.

ولقياس أثر هذه الأداة، يبرز مفهوم السيناريو البديل: هل كان التمويل سيُتاح للمنشأة في غياب الضمان، وبالحجم والتكلفة نفسيهما؟ إذا أتاح الضمان تمويلًا لم يكن متاحًا، أو حسّن شروطه بما مكّن المنشأة من تنفيذ استثمار إضافي، فإن أثره يتجاوز قيمة التمويل المرتبط به إلى النشاط الاقتصادي الذي ساعد على تحقيقه. ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين حجم التمويل الذي تغطيه الضمانات وحجم التمويل الإضافي الذي أسهمت في تحفيزه، بما يقدّم صورة أدق عن أثرها التنموي.

ويعتمد نجاح الضمانات كذلك على التوازن في توزيع المخاطر بين الجهة الضامنة والممول. فالتغطية الملائمة قد توسع فرص التمويل، خصوصًا في المراحل الأولى من نمو المنشآت، بينما يساعد احتفاظ الممول بجزء مناسب من المخاطر على الحفاظ على جودة التقييم الائتماني. ومع تراكم البيانات والخبرات، يمكن تحسين تقدير المخاطر وتطوير الحلول التمويلية بما يتناسب مع احتياجات المنشآت في مراحل نموها المختلفة. فالضمان الفعّال لا يرفع المخاطر عن السوق بالكامل، بل يعيد توزيعها بطريقة تتيح تمويل فرص اقتصادية قابلة للنمو.

وتقدم التجربة الأوروبية نموذجًا مهمًا في هذا المجال. فبرنامج "إنفست إي يو" (InvestEU) يستهدف تعبئة أكثر من 372 مليار يورو من الاستثمارات العامة والخاصة خلال الفترة 2021–2027، بالاستناد إلى ضمان من ميزانية الاتحاد الأوروبي بقيمة 26.2 مليار يورو. ولا يقتصر البرنامج على تقاسم المخاطر، بل يتضمن أيضًا خدمات استشارية وفنية تساعد على إعداد المشاريع وتطويرها وهيكلتها وربطها بالممولين. وتكشف التجربة عن عنصر جوهري في جذب رأس المال الخاص: فإلى جانب توافر التمويل، يحتاج المستثمر إلى مشاريع معدّة جيدًا، ودراسات جدوى موثوقة، ونماذج أعمال واضحة، وتدفقات نقدية قابلة للتقدير.

وانسجامًا مع مسيرة السعودية في تمكين القطاع الخاص، تبرز 3 مسارات مترابطة لتعميق أثر التمويل التنموي:

أولًا: تعزيز قياس الأثر الاقتصادي للتمويل التنموي. تتيح منظومة التمويل التنموي المتنوعة في السعودية فرصًا واسعة لإبراز إسهامها في تحفيز الاستثمار الخاص، وتعزيز إنتاجية المنشآت، ودعم التوظيف واستدامة الأعمال. ويسهم توظيف مؤشرات تقدّر الاستثمار الإضافي الذي تحفزه الأدوات، إلى جانب أساليب التقييم الاقتصادي والمقارنة بمنشآت مماثلة، في تعميق فهم النتائج التنموية لهذه الأدوات، وإبراز مجالات إسهامها في النمو الاقتصادي، بما يدعم مواصلة تطوير الحلول التمويلية وتعزيز أثرها في الاقتصاد الوطني.

ثانيًا: ضمانات تمويلية تفتح آفاقًا أوسع للاستثمار. أسهم توسع برامج الضمان في السعودية في تعزيز فرص حصول المنشآت على التمويل، ويمكن البناء على هذا التقدم من خلال تطوير حلول تمويلية تراعي تنوع القطاعات ومراحل النمو واحتياجات المنشآت. ويسهم التناسب بين نسب التغطية ورسوم الضمان وطبيعة المخاطر في توجيه الحلول التمويلية بكفاءة، وتوسيع نطاق استفادة المنشآت من الموارد المتاحة. كما يعزز تبادل البيانات والخبرات بين الجهات التمويلية تكامل الأدوات، ويدعم ابتكار حلول تستجيب لاحتياجات السوق وتفتح آفاقًا أوسع للاستثمار والنمو.

ثالثًا: من التمويل إلى الاستثمار المنتج. مع النمو المتواصل لقطاع المنشآت في السعودية، تبرز أهمية تعزيز قدراتها المالية والائتمانية بما يدعم نموها واستدامة أعمالها على المدى الطويل. فإلى جانب إتاحة التمويل، تسهم الحلول التمويلية في بناء السجل الائتماني للمنشآت، وتوسيع خياراتها التمويلية مع تطور أنشطتها. ويمكن تتبع هذا التطور من خلال مؤشرات مثل انتظام السداد، والقدرة على الحصول على تمويل لاحق بشروط تمويلية متنوعة، وتنامي فرص الوصول إلى مصادر تمويل متعددة. ويسهم ذلك في مواكبة احتياجات المنشآت في مراحل نموها المختلفة، وتعزيز قدرتها على التوسع، وإتاحة المجال لتوجيه الموارد التنموية نحو فرص استثمارية جديدة.

لقد أرست السعودية منظومة متنوعة من أدوات التمويل التنموي، وحقق القطاع الخاص تقدمًا تجاوز المستهدف السنوي لمساهمته في الناتج المحلي الإجمالي. وتتمثل فرصة المرحلة المقبلة في البناء على هذا التقدم، وتعزيز التكامل بين أدوات التمويل، وتطوير الحلول التي تواكب احتياجات المنشآت ومراحل نموها، مع التركيز على قياس ما تحفزه هذه الأدوات من استثمارات إضافية، لا ما تضخه من تمويل فحسب. فالدعم يصنع استثمارًا خاصًا حين يسدّ فجوة تمويلية قائمة، ويستقطب رأسمال جديدًا، ويعزز إنتاجية القطاع الخاص، ويرسّخ نموًا اقتصاديًا أكثر استدامة.

مستشارة في السياسات الاقتصادية والتخطيط الإستراتيجي

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية