د. بكر عبداللطيف الهبوب
"القاضي مجرّد فمٍ ينطقُ بالقانون" مقولة مونتسكيو التي بدت يومًا تعريفًا لوظيفة القضاء، كشفت التجربة الاقتصادية أنها قد تكون تعريفًا لمصير الأسواق أيضًا. فهذا "الفَمُ" لا ينطق بالنصوص وحدها، بل يبث الطمأنينة حين يكون متسقًا، ويزرع القلق حين يفاجئ الجميع بأحكام لا يمكن توقعها.
في قرارات الاستثمار، لا تتصدر الضرائب أو الحوافز قائمة الأولويات بقدر ما يتصدرها اليقين القانوني. فكلما اتسم القضاء بالاتساق وقابلية التنبؤ، انخفضت المخاطر، وتراجعت تكلفة رأس المال، وازدادت جاذبية السوق. ولهذا لم يعد القضاء مجرد سلطة دستورية، بل أحد الأصول الاقتصادية للدولة؛ فهو الذي ينتج الثقة التي تُبنى عليها الأسواق. وتؤكد تقارير البنك الدولي أن سيادة القانون، وكفاءة إنفاذ العقود، وجودة القضاء، ليست مؤشرات قانونية فحسب، بل محركات مباشرة للاستثمار والنمو، وأن الإصلاح القضائي يقاس بقدرته على ترسيخ اليقين واستقرار المعاملات، لا بعدد المحاكم أو سرعة الإجراءات وحدها.
اتفقت المدارس القانونية على مبدأ الفصل بين السلطات، لكنها اختلفت في رسم حدود الدور القضائي. فالمدرسة اللاتينية أبقت القاضي داخل إطار النص، بينما منحت المدرسة الأنجلوسكسونية للسوابق القضائية دورًا في تشكيل القاعدة القانونية.
غير أن رأس المال لا ينحاز إلى مدرسة بعينها، بقدر ما ينحاز إلى القضاء القادر على إنتاج اليقين. وفي هذا السياق، تبنى النظام السعودي نموذجًا يجعل النص النظامي مرجعيته العليا، مع إسناد دورِّ محوري للمحكمة العليا في إرساء المبادئ القضائية، وتوحيد الاجتهاد، والحد من تضارب الأحكام. ويعزز هذا التوجه الأمر الملكي القاضي بإلزام الجهات الحكومية بالتقيد بالأحكام النهائية والمبادئ القضائية، ومواءمة ممارساتها الإدارية معها، بما يرسخ اتساق التطبيق ويعزز اليقين القانوني.
ولعل سر جاذبية القضاء يكمن في قدرته على إنتاج هذا اليقين. ففي الأنظمة الأنجلوسكسونية يتولد بطبيعته من حجية السوابق القضائية، بينما سعت دول ذات أنظمة قانونية مختلفة إلى محاكاة الأثر ذاته بوسائل مؤسسية متنوعة؛ فأنشأت محاكم ودوائر تجارية متخصصة، كما في الصين وفرنسا من خلال الغرفة التجارية الدولية بمحكمة استئناف باريس، أو لجانًا قضائية متخصصة كما في السعودية.
وذهبت دول أخرى إلى تطوير أنظمة قضائية مستقلة داخل مراكزها المالية، كما في كازاخستان والإمارات وقطر والبحرين، إدراكًا بأن تنافسية الاستثمار لا تقوم على جودة التشريعات وحدها، بل على قضاء يمنح المستثمرين قدرًا أعلى من اليقين. ولعل ديلاوير تقدم المثال الأوضح على قدرة القضاء على صناعة الميزة التنافسية للدول. فعلى مدى عقود، تحولت هذه الولاية الصغيرة إلى العاصمة القانونية للشركات الأمريكية، إذ تحتضن تسجيل نحو 68% من شركات Fortune 500.
ولم تصنع هذه المكانة بالمزايا الضريبية وحدها، بل بمحكمة متخصصة، وقضاة خبراء، واجتهاد قضائي مستقر منح المستثمرين اليقين الذي يبحثون عنه. والمنطق نفسه يفسر المكانة التي رسختها سنغافورة ولندن؛ فالقيمة الحقيقية لم تكن في الحوافز بقدر ما كانت في قضاء سريع، متخصص، وقابل للتنبؤ بأحكامه. فحين يستقر القضاء، يستقر الاستثمار.
لكن ديلاوير نفسها كشفت الوجه الآخر للمعادلة. فحين ألغت محكمتها في 2024 حزمة التعويضات البالغة 56 مليار دولار الممنوحة لإيلون ماسك في تسلا، تجاوز أثر الحكم أطراف النزاع إلى السوق بأكمله. فقد انتقلت تسلا وسبيس إكس قانونيًا إلى تكساس، ونقلت نيورالينك مقر تسجيلها إلى نيفادا، كما بدأت شركات أخرى تعيد النظر في مقار تأسيسها. فما اهتز لم يكن حكمًا قضائيًا، بل اليقين الذي صنع تميز ديلاوير.
بل قد يتحول القضاء ذاته إلى ميزة تنافسية تجذب الأعمال والاستثمارات. ويكفي أن المحاكم التجارية الدولية في سنغافورة ومحاكم مركز دبي المالي العالمي تنظر سنويًا مئات المنازعات التجارية العابرة للحدود، ويختار اختصاصها متقاضون من دول مختلفة طوعًا "Opt-in"، رغم عدم وجود ارتباط قانوني مباشر بها، وهو ما يكشف أن الثقة في القضاء أصبحت بحد ذاتها أصلًا اقتصاديًا.
فكل دولةٍ تريدُ أن يكونَ اقتصادها أكبر من مواردها، لا بد أن تجعل من القضاء موردها الأذّكى؛ قضاءً رشيقًا في إجراءاته، حكيمًا في مبادئه، ثابتًا في أثره. ومن يملك يقين القضاء، يملك ثقة المستثمر، ومن يملك ثقة المستثمر، يملك اقتصادًا يتجاوز موارده.
مستشار قانوني
