الثلاثاء, 1 سبتمبر 2026|18 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

بدأت Ferrero رحلتها 1946 في مدينة "ألبا" الإيطالية، قبل أن تتحول عبر الأجيال إلى واحدة من أكبر مجموعات الأغذية والحلويات في العالم، بعلامات تجارية أصبحت جزءًا من ذاكرة أجيال متعاقبة، مثل Nutella وKinder وFerrero Rocher وما زالت المجموعة شركة خاصة مملوكة للعائلة، وتباع منتجاتها في أكثر من 170 دولة.

لكن القيمة الاقتصادية في تجربة Ferrero لا تكمن في شهرة منتجاتها بقدر ما تكمن في قدرتها على إدارة النمو عبر الأجيال. فقد بقيت الملكية عائلية، بينما تطورت الإدارة والتقنيات، واتسعت الأسواق، وتنوعت مصادر النمو عبر الاستحواذ على علامات وأعمال جديدة.

وجاء أحد أبرز تطورات نموذج الحوكمة عام 2017، حين أعادت Ferrero تنظيم العلاقة بين الملكية والإدارة التنفيذية. تولى Giovanni Ferrero منصب Executive Chairman، مركزًا على الإستراتيجية طويلة الأجل والابتكار، بينما عُيّن Lapo Civiletti رئيسًا تنفيذيًا للمجموعة، ليصبح أول رئيس تنفيذي من خارج العائلة في تاريخها. ولم تكن هذه الخطوة تخليًا عن الملكية العائلية، بل إعادة تنظيم للعلاقة بينها وبين الإدارة بما يتناسب مع حجم الشركة وتعقيد أعمالها العالمية.

لكن التحدي لا يتوقف عند الإدارة؛ فمع انتقال الملكية بين الأجيال تظهر مسألة أكثر تعقيدًا: كيف يتحرك رأس المال دون أن يعطل نمو الشركة؟

في الجيل الأول لكثير من الشركات العائلية، تتركز الملكية والإدارة والقرار الاستثماري في يد المؤسس، فتكون الرؤية واضحة والقرار سريعًا. لكن مع انتقال الملكية إلى الأجيال اللاحقة، تتسع قاعدة المساهمين وتتعدد تطلعاتهم: فقد يفضل بعضهم إعادة استثمار الأرباح للتوسع، بينما يحتاج آخرون إلى توزيعات نقدية، ويرى فريق ثالث أن توجيه جزء من الثروة نحو التقنية أو قطاعات جديدة استخدام أكثر كفاءة لرأس المال.

هذا الاختلاف طبيعي، بل قد يكون صحيًا. لكن التحدي يبدأ حين لا تتوافر آليات تسمح بحركة رأس المال دون التأثير في النشاط التشغيلي. فقد يحتاج أحد المساهمين إلى التخارج، بينما تحتاج الشركة إلى السيولة لتمويل توسعها. وهنا تصبح كفاءة انتقال الملكية جزءًا من كفاءة تخصيص رأس المال؛ إذ لا تعتمد استدامة الشركة العائلية على تحقيق الأرباح فقط، بل على قدرتها على التعامل مع تغير احتياجات المساهمين دون تعطيل الاستثمار أو تجميد رأس المال في استخدام واحد.

وتزداد أهمية هذه المسألة في السعودية؛ إذ تشير أرقام صادرة عن المركز الوطني للمنشآت العائلية إلى أن المنشآت العائلية تمثل نحو 95% من إجمالي المنشآت في السعودية، وتسهم بنحو 66% من الناتج المحلي للقطاع الخاص، وتوظف نحو 56% من العاملين فيه، بما يعكس ثقلها الاقتصادي ودورها في النشاط والاستثمار.

ومع انتقال الملكية بين الأجيال، تزداد الحاجة إلى تنظيم هذا الانتقال. وفي السعودية، أتاح نظام الشركات الجديد، الذي دخل حيز النفاذ في 19 يناير 2023، إطارًا لذلك من خلال الميثاق العائلي، الذي يضع قواعد واضحة للعلاقة بين أفراد العائلة والشركة، بما في ذلك الملكية والحوكمة والإدارة وتوزيع الأرباح والتصرف في الحصص وتسوية المنازعات.

وتبرز أهميته في الاتفاق مسبقًا على آليات انتقال الملكية، مثل أولوية شراء الحصص، وطريقة تقييمها، وشروط التخارج، بما يقلل احتمالات تحول اختلاف المصالح بين المساهمين إلى نزاع يؤثر في استقرار الشركة ونموها.

لكن تنظيم الانتقال داخل الشركة لا يحل دائمًا حاجة المساهم إلى السيولة، وهنا تبرز أهمية وجود قنوات خارجية تسمح بانتقال الملكية دون أن تضطر الشركة إلى استخدام سيولتها التشغيلية. وتوفر السوق المالية السعودية قناة منظمة لتداول ملكية الشركات المدرجة؛ إذ بلغت القيمة السوقية للأسهم المدرجة نحو 8.82 تريليون ريال في نهاية 2025، بينما بلغت قيمة الأسهم المتداولة خلال العام نحو 1.30 تريليون ريال.

غير أن الإدراج العام ليس بالضرورة الخيار المناسب لكل شركة عائلية؛ فقد تفضل العائلة الحفاظ على خصوصية أعمالها، بينما يحتاج أحد المساهمين إلى السيولة في الوقت نفسه. ومن هنا تبرز أهمية تطوير قنوات أكثر مرونة لانتقال الملكية داخل القطاع الخاص، من بينها السوق الثانوية للملكية الخاصة (Secondary Private Market)، وهي آلية مطبقة عالميًا تتيح انتقال حصص قائمة في شركات خاصة إلى مستثمرين آخرين دون الحاجة إلى إدراج علني.

ومن أبرز الأمثلة عليها منصة Nasdaq Private Market الأمريكية، التي تأسست  2013 وتوفر برامج للسيولة في الشركات الخاصة، تشمل عروض الشراء، وإعادة شراء الأسهم، والمزادات، ونوافذ التداول المنظمة. وتتيح هذه الآليات للمساهمين والموظفين المؤهلين بيع جزء من حصصهم لمستثمرين آخرين، مع بقاء الشركة قادرة على التحكم في شروط العملية والمشاركين فيها.

ويمكن تأطير سوق مماثل محليًا وفق قواعد واضحة للتقييم والإفصاح والحوكمة، ليكون مسارًا إضافيًا للسيولة، لا بديلًا عن السوق المالية العامة.

ولتَعزيز قدرة الشركات العائلية على إدارة انتقال الملكية، يمكن التركيز على 4 مسارات مترابطة:

أولًا: إنشاء منصة رقمية منظمة لانتقال حصص الشركات غير المدرجة، مستفيدة من دروس النماذج العالمية المشابهة، تتيح للمساهمين نقل حصصهم إلى مستثمرين مؤهلين وفق قواعد واضحة للتقييم والإفصاح، دون استنزاف السيولة التشغيلية للشركة.

ثانيًا: تعزيز الفصل بين الثروة والتشغيل عبر مكاتب العائلة الاستثمارية (Family Offices). فكلما ارتبطت ثروة العائلة بالكامل بالشركة التشغيلية، زادت الضغوط عليها. بينما يمنح تنويع جزء من الثروة مرونة أكبر للعائلة، ومساحة أوسع للشركة لإعادة استثمار الأرباح.

ثالثًا: تمكين الجيل الجديد من إعادة توجيه جزء من رأس المال نحو استثمارات خارج النشاط الأساسي، كالشركات الناشئة وصناديق رأس المال الجريء والأسواق العالمية، بحيث لا تقتصر مهمته على المحافظة على الأصول الموروثة، بل تطوير هيكل ثروة أكثر تنوعًا.

رابعًا: تنظيم التخارج والانتقال مسبقًا عبر المواثيق العائلية واتفاقيات المساهمين، التي تحدد قواعد تقييم الحصص وأولوية الشراء وآليات حل الخلافات. فكلما وُضعت هذه القواعد قبل الحاجة إليها، أصبح انتقال الملكية أكثر سلاسة وأقل كلفة.

ولا يعني ذلك أن نموذجًا واحدًا يصلح لجميع الشركات العائلية؛ فاحتياجاتها تختلف باختلاف حجمها وقطاعها وهيكل ملكيتها ومرحلة نموها. لكن المبدأ الأوسع يظل واحدًا: استدامة الملكية لا تعني تثبيت رأس المال، بل بناء آليات تسمح بحركته بكفاءة مع الحفاظ على قدرة الشركة على الاستثمار والنمو.

وهنا تكمن خلاصة تجربة Ferrero: فالاستمرارية لا تعني الحفاظ على الشركة كما أسسها الآباء، بل الحفاظ على قدرتها على التطور وصنع القيمة مع تغير الأسواق والأجيال. وقد تكون الملكية العائلية مصدر قوة حين تقترن بحوكمة قادرة على الفصل بين ملكية الثروة وإدارة الأعمال، وبين احتياجات المساهمين واحتياجات الشركة.

فالإرث الحقيقي ليس ما تنتقل ملكيته من جيل إلى آخر فحسب، بل ما تستطيع الأجيال أن تبني فوقه.

مستشارة في السياسات الاقتصادية والتخطيط الإستراتيجي

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية