الثلاثاء, 15 سبتمبر 2026|2 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية


آندي هوم

إذا أردت تكوين فكرة عن حالة العالم في الوقت الراهن، فمن الجدير بك إلقاء نظرة على عنصر "الإيتريوم". سيتصدر هذا العنصر المغمور -المنتمي لعائلة العناصر الأرضية النادرة- جدول الأعمال عندما يلتقي الرئيس الصيني شي جين بينغ بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب في واشنطن في وقت لاحق من هذا الشهر.

تحتاج الولايات المتحدة إلى الإيتريوم، وتُعد الصين المورد المهيمن عليه عالمياً، تماماً كما هو الحال بالنسبة لمجموعة واسعة من المعادن الحيوية والإستراتيجية. لم تصدر الصين أي كميات من الإيتريوم إلى الولايات المتحدة في منتصف العام الماضي، وظلت عمليات التوريد متقطعة للغاية منذ ذلك الحين. وقد أدى النقص الناجم عن ذلك إلى إحداث اضطرابات في قطاعات الطيران والفضاء والطاقة وأشباه الموصلات، ما كشف عن مدى تغلغل عناصر الجدول الدوري -التي لم تكن معروفة كثيراً من قبل- في عمليات التصنيع الحديثة. وتمنح الأهمية الحيوية للإيتريوم هذا العنصر مكانة "سلاح قوي" في ترسانة الصين للمفاوضات التجارية؛ إذ يمكن استخدامه أيضاً كوسيلة للعقاب، وهو ما تدركه اليابان حالياً.

معدن غامض

يُعد الإيتريوم معدناً فريداً ومثيراً للاهتمام؛ فهو من الناحية التقنية ليس عنصراً أرضياً نادراً، لكنه يوجد دائماً مصاحباً لها. وفي الواقع، كان اكتشافه بالقرب من قرية "يتيربي" (Ytterby) السويدية في القرن الـ18 بمنزلة الخطوة الأولى لكشف أسرار عالم العناصر الأرضية النادرة.

واليوم، تتنوع استخدامات الإيتريوم لتشمل شاشات العرض وأشباه الموصلات وأشعة الليزر. لكن أهميته القصوى تكمن في استخدامه في طلاءات العزل الحراري لحماية محركات الطائرات النفاثة من درجات الحرارة المرتفعة للغاية.

وتُعد البيانات الدقيقة حول حجم السوق نادرة وشحيحة.

حتى هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية -التي تُعد عادةً المرجع الأول للمعلومات المتعلقة بالمعادن- ليست متأكدة تماماً من حجم الإيتريوم المستخرج من باطن الأرض؛ إذ تقدر أن الإنتاج العالمي من المناجم في العام الماضي تراوح بين 10 آلاف و15 ألف طن متري. يأتي كل إنتاج العالم تقريباً من عنصر "الإيتريوم" من الصين، ولا تفصح السلطات عن أي معلومات علنية بشأن حصص التعدين أو الإنتاج أو عمليات الفصل.

إمدادات مقننة

ما نعلمه هو أن الصين فرضت قيوداً على تصدير الإيتريوم -إلى جانب 6 عناصر أخرى من العناصر الأرضية النادرة- في أبريل من العام الماضي، ما أدى إلى توقف الشحنات الخارجية تماماً.

ولم تتلقَّ الولايات المتحدة أي شحنات على الإطلاق حتى شهر أكتوبر، حين عاد تدفق الإمدادات قبيل اجتماع بين الرئيسين شي وترمب في مدينة بوسان الكورية الجنوبية.

وافقت بكين على تأجيل فرض قيود أكثر صرامة -لمدة عام- على العناصر الأرضية النادرة والمغناطيسات، لكنها أبقت على القيود الأصلية المفروضة على الإيتريوم. تُلزم هذه القيود المصدرين بإثبات أن المعدن سيُستخدم لأغراض مدنية فقط، ما يحوّل الإيتريوم إلى سلاح دقيق يُستخدم ضد شركاء تجاريين محددين وشركات غربية.

ورغم وصف ترمب للقمة بأنها كانت "مذهلة"، إلا أن تدفق الإيتريوم توقف مجدداً بعد اجتماع أكتوبر. وبحلول شهر فبراير، تسبب نقص حاد في توقف عمليات الإنتاج ضمن سلاسل توريد مواد الطلاء في الولايات المتحدة.أرسلت الصين شحنة ضخمة تزن 60 طناً من أكسيد الإيتريوم إلى الولايات المتحدة في شهر مارس، وذلك بعد ما يبدو أنه كان تدخلاً مباشراً من البيت الأبيض نيابة عن شركة أمريكية كبرى كانت تواجه صعوبة في الحصول على ترخيص للتصدير.

وبعد بضعة أشهر، أعرب الممثل التجاري الأمريكي "جيميسون جرير" عن استيائه من بطء وتيرة صادرات الإيتريوم الصينية، معترفاً بأنه "توجد أوقات يتعين علينا فيها التدخل وتوضيح موقفنا".

ورغم عقد قمة أخرى في مايو -أعلنت بكين بعدها أنها ستعمل مع الولايات المتحدة لمعالجة المخاوف "المعقولة" بشأن شحنات العناصر الأرضية النادرة- فقد أُغلق صنبور التصدير مجدداً حتى شهر يوليو، حين شُحنت 29 طناً.من الواضح أن بكين تستخدم الإيتريوم كورقة ضغط في نزاعها التجاري الأوسع مع الولايات المتحدة؛ فهي توفر إمدادات مقننة تكفي لتجنب مواجهة شاملة، لكنها لا تكفي لتخفيف الضغوط على سلاسل التوريد.

عقاب

لم تتلقَّ اليابان سوى كميات ضئيلة جداً من الإيتريوم منذ شهر نوفمبر، حين أثارت "ساناي تاكايتشي" غضب بكين بتصريحاتها حول الدفاع عن تايوان. كما توقفت إمدادات معادن حيوية أخرى - مثل الغاليوم والتيربيوم والديسبروسيوم - في مشهد يبدو وكأنه تكرار لما حدث 2010، حين قيدت الصين صادراتها من المعادن الأرضية النادرة إثر خلاف دبلوماسي مع اليابان حول جزر متنازع عليها في بحر الصين الشرقي.

ومنذ ذلك الحين، عملت اليابان على تنويع سلاسل التوريد وتكوين مخزونات من المعادن الأرضية النادرة، إلا أنها لا تزال تعتمد بشكل كبير على الصين.وقد بدأ هذا الحظر - الذي يُعد فعلياً حظراً غير رسمي - يلقي بظلاله السلبية على الشركات اليابانية؛ إذ حذرت العديد منها من تداعيات هذا الوضع في الإفصاحات التي قدمتها لبورصة طوكيو.ففي الفترة التي سبقت هذا العام، نادراً ما كانت المعادن الأرضية النادرة تُذكر كمصدر للقلق (بمعدل يقل عن 40 إشارة شهرياً). ولكن في شهري مايو ويونيو، أشارت أكثر من ثلثي الإفصاحات - التي بلغ عددها قرابة 200 إفصاح وتناولت موضوع المعادن الأرضية النادرة - إلى أن قيود التصدير تؤثر سلباً في أعمالها أو قد تؤثر عليها مستقبلاً.

الجزرة أم العصا؟

هل ستحصل أوروبا على "جزرة" الإيتريوم أم "عصا" الإيتريوم؟

يعتمد الأمر إلى حد كبير على مدى حزم أوروبا في معالجة الفجوة التجارية المتزايدة مع الصين. وفي هذا السياق، دعا المفوض الأوروبي للتجارة، ماروس سيفكوفيتش، الصين. الالتزام بمعالجة هذه المسألة بحلول أكتوبر "وإلا ستُمارس ضغوط سياسية هائلة للبحث عن حلول أخرى".كما يسعى سيفكوفيتش لإجراء محادثات بشأن -كما خمنتَ- قيود الصين على تصدير المعادن الحيوية؛ ومن شبه المؤكد أن معدن "الإيتريوم" سيكون حاضراً في هذه النقاشات. يحتل هذا المعدن -غير المعروف للكثيرين- الآن صلب السياسة العالمية، وسيظل كذلك طالما تسيطر بكين على إمداداته لبقية العالم.

كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية