السعودية تتجه نحو بناء أندية أقوى وسوق أكثر نضجاً واقتصاد كروي قادر على النمو والاستدامة
الخلاصة
تعمل كرة القدم السعودية على تطوير منظومة متكاملة تشمل تخصيص الأندية مثل الفتح والرياض وأبها، ضمن خطة تمتد حتى 2027، لتعزيز النمو المؤسسي والاقتصادي. ارتفعت الإيرادات التجارية بنسبة 350% منذ 2023، مع زيادة الاهتمام الجماهيري والرياضي، ما يعكس تحولاً نحو بناء أندية قوية وسوق كروية ناضجة ومستدامة.
في كرة القدم، تخطف المباريات الأضواء. تحضر الأهداف، والصفقات، والمدرجات، وحسابات الفوز والخسارة في صدارة المشهد. لكن التحولات الكبرى في هذه اللعبة لا تُصنع داخل الملعب وحده، بل تتشكل خلف الكواليس، في غرف التخطيط، ونماذج التشغيل، وجودة الحوكمة، والقرارات التي قد لا تظهر نتائجها في جولة واحدة، لكنها تصنع فرقاً عميقاً في مسار اللعبة لسنوات. وهذا ما تعيشه كرة القدم السعودية اليوم.
فمع إعلان وزارة الرياضة عن المرحلة التالية من مسار تخصيص الأندية، تبدو فترة التوقف بين موسمين أكثر من مجرد استراحة رياضية. إنها مساحة عمل مؤسسية تتشكل فيها ملامح مرحلة جديدة؛ مرحلة تتجه نحو بناء أندية أقوى، وسوق أكثر نضجاً، واقتصاد كروي أكثر قدرة على النمو والاستدامة.
تأتي أهمية هذه المرحلة من أنها تتعامل مع كرة القدم بوصفها منظومة متكاملة، لا مجرد منافسات موسمية. فاهتمام الجماهير والإعلام يتجه بطبيعته إلى المباريات والنتائج والصفقات والبطولات، وهي عناصر أساسية في حيوية كرة القدم وجاذبيتها. لكن قوة اللعبة لا تقوم على ما يحدث داخل الملعب فقط، بل على ما يُبنى حوله: مؤسسات أكثر كفاءة، ونماذج تشغيل أوضح، وهياكل حوكمة تمنح الأندية قدرة أكبر على النمو، والاستثمار، والمنافسة، والاستمرارية.
ترفع رؤية السعودية 2030 سقف الطموح أمام القطاع الرياضي، وتنظر إلى الأندية بوصفها كيانات رياضية ومؤسسات مجتمعية واقتصادية في الوقت نفسه. فالنادي لم يعد مجرد فريق ينافس في بطولة، بل أصبح أصلًا يحمل هوية مدينة أو منطقة، ويملك قدرة على توليد القيمة، وبناء الجمهور، وجذب الاستثمار، والمساهمة في الاقتصاد الرياضي الوطني.
بالنسبة للجماهير، النادي الأكثر تنظيماً هو نادٍ أقدر على المنافسة، والحفاظ على هويته، وتعزيز حضوره. وبالنسبة للمستثمرين، فإن السوق الأكثر وضوحاً وانضباطاً تمنح رؤية أفضل للفرص، وتساعد على بناء قيمة طويلة الأمد. وعلى مستوى القطاع الرياضي، يعكس ذلك تحولاً مهماً في بناء اقتصاد كروي أكثر قوة ومرونة.
ومع إعلان وزارة الرياضة دخول مجموعة جديدة من الأندية في مسار التخصيص، وهي: الفتح، والرياض، وأبها، والشعلة، والطائي، يتضح أن المسار يمضي وفق منهجية متدرجة ومدروسة. ومن المتوقع أن يمتد هذا المسار لفترة تراوح بين ثمانية وعشرة أشهر، على أن تكتمل مراحله المستهدفة بين الربعين الأول والثاني من 2027. وهذا الجدول الزمني يعكس عناية في التعامل مع أصول رياضية لها قيمتها، وفرص استثمارية تتطلب دقة في التقييم، والمواءمة، وبناء الأساس المناسب للمرحلة المقبلة.
ويظهر هذا التحول أيضاً في طريقة تنظيم اللعبة وربط نمو الدوري بتطور الأندية. فالمرحلة التالية من إطار عمل برنامج الاستقطاب لدوري روشن السعودي تقوم على نموذج واضح يمتد لأربع سنوات ويشمل أندية الدوري الثمانية عشر. ويحدد النموذج آلية توزيع تقوم على أربعة عناصر: 22% بالتساوي بين الأندية، و22% بناءً على متوسط ترتيب النادي في الدوري، و28% وفق المشاهدة التلفزيونية، و28% وفق الأداء التجاري.
أهمية هذا النموذج لا تقتصر على آلية التوزيع، قيمته الأعمق أنه يربط بين نمو الدوري ونمو الأندية. فكلما تطور الدوري، أصبحت الأندية أكثر قدرة على الاستفادة من هذا التطور من خلال منظومة تكافئ التنافسية، وتدعم التطور التجاري، وتدعم التنافسية، وتمنح الأندية رؤية أوضح لما يمكن بناؤه على المدى المتوسط. بهذا المعنى، يصبح النمو التجاري للدوري جزءاً من تطور الأندية نفسها، وتصبح قوة الأندية جزءاً من قوة الدوري.
وتدعم الأرقام هذا الاتجاه. فمنذ عام 2023، ارتفع إجمالي الإيرادات التجارية بأكثر من 350%، كما ارتفعت الإيرادات التجارية المركزية بأكثر من 115%. وتؤكد الأرقام الأحدث هذا المسار؛ إذ وصلت إيرادات الرعاية إلى 250 مليون ريال في موسم 2025-2024، وارتفعت القيمة السوقية الإجمالية للدوري إلى 4.8 مليار ريال بحلول عام 2025، كما زاد متوسط القيمة السوقية لتشكيلات أندية دوري روشن السعودي بنسبة 10% ليصل إلى 238 مليون ريال.
ولا يحدث هذا النمو بمعزل عن التحول الوطني الأوسع في القطاع الرياضي. فنحو 80% من السعوديين لديهم اهتمام بكرة القدم، وارتفعت ممارسة الرياضة من 13% في عام 2015 إلى 59% اليوم، كما نما عدد المنشآت الرياضية الخاصة المرخصة من نحو 800 منشأة في عام 2015 إلى أكثر من 4900 منشأة. هذه المؤشرات، مجتمعة، تعكس قطاعاً رياضياً يتوسع في حضوره، وثقته، ووزنه الاقتصادي والمجتمعي.
ويمكن رؤية أثر هذا التحول في أكثر من مستوى. ففي نادي الخلود في الرس، يظهر التطور في ارتفاع الحضور الجماهيري، ونمو التفاعل، وتوسع الرعايات، إلى جانب وصول النادي إلى نهائي كأس الملك للمرة الأولى في تاريخه. وفي المدينة المنورة، يعكس نجاح فريق الأنصار تحت 21 عاماً، وتطور مسار الفئات السنية، توجهًا أكثر تنظيماً نحو بناء المواهب. وفي أندية مثل القادسية، ساعدت الهياكل الأقوى على تحويل الصعود إلى قدرة تنافسية مباشرة في المستوى الأعلى.
هذه الأمثلة مهمة لأنها توضح أن تطوير كرة القدم لا يقف عند الأندية الكبرى وحدها، بل يمتد إلى أندية المدن والمناطق، وإلى الفئات السنية، وإلى البنية المؤسسية التي تمنح النادي قدرة أفضل على النمو والاستمرار، وبناء جمهوره، وتحويل طموحه الرياضي إلى مشروع قابل للتطور.
وللتخصيص دور واضح في هذا المسار، ومن المهم فهمه على صورته الصحيحة. فالسعودية تنظر إلى التخصيص بوصفه مساراً لبناء القيمة، وجذب الخبرة، وتعزيز الانضباط التشغيلي، ورفع القدرة المؤسسية للأندية. وتكتمل قيمة رأس المال حين يقترن بالشريك المناسب، والخبرة المناسبة، والقدرة على بناء أثر طويل الأمد. لذلك، فإن التخصيص في جوهره شراكة استراتيجية قبل أن يكون انتقالاً في الملكية.
ولهذا تمضي هذه المرحلة وفق مسار متدرج يخضع للتقييم والمواءمة والجدولة. فالتدرج هنا ليس بطئاً في الحركة، بل نضجاً في القرار. والقرارات المؤسسية الكبرى تحتاج إلى وضوح في المعايير، وملاءمة بين النادي والمالك، وفهم لطبيعة كل نادٍ وما يحتاجه حتى ينمو وينافس ويستمر.
وهذا مهم على المستوى الدولي كما هو مهم داخلياً. فالمستثمرون العالميون يبحثون عن الفرص، ويبحثون معها عن الوضوح. والجماهير تطمح إلى أندية أكثر قوة، وتتمسك في الوقت نفسه بالهوية والاستمرارية والثقة. والنموذج الناجح هو الذي يجمع بين الأمرين: يفتح المجال للاستثمار والخبرة والنمو، ويحافظ في الوقت نفسه على قيمة الأندية وعمق ارتباطها بمجتمعاتها.
ما يكشفه المشهد الحالي هو أن كرة القدم السعودية تمضي في بناء منظومة لا في إدارة لحظة مؤقتة. والاتجاه واضح: أندية أكثر قدرة، وسوق أكثر نضجاً، ودوري أكثر جاذبية، واقتصاد كروي يواصل بناء أساسه للمستقبل.
كرة القدم، في أفضل صورها، تكافئ من يحسن اللعب، وتكافئ أيضاً من يحسن التخطيط والبناء. وكرة القدم السعودية تعمل اليوم على الأمرين معاً: بناء منافسة أقوى داخل الملعب، وبناء منظومة أكثر نضجًا خارجه.
وللمستثمرين الذين ينظرون إلى كرة القدم بمنطق طويل الأمد، فإن الرسالة واضحة: الفرصة تتشكل على أسس أقوى، والسوق تتطور بثقة، والأندية تدخل مرحلة جديدة من النمو المؤسسي. وما هو قادم يحمل مساحة واسعة للبناء، والشراكة، وصناعة قيمة مستدامة لكرة القدم السعودية.
نائب وزير الرياضة في المملكة العربية السعودية بالمرتبة الممتازة
خاص بـ "اقتصاد الشرق"
