الأربعاء, 22 يوليو 2026|6 صَفَر 1448
الاقتصادية

قد يبدو للبعض أن القول بأن كأس العالم لكرة القدم هو أبرز إنجاز جماعي للبشرية في العصر الحديث مبالغة، لكن الأرقام والوقائع التاريخية تثبت عكس ذلك.

 فهذه البطولة تجمع أكثر من ملياري مشجع حول العالم، وتشارك فيها 48 دولة بمختلف الثقافات واللغات، وتُعد المناسبة الوحيدة التي يتابعها جميع الأعمار والفئات الاجتماعية من سياسيين ومواطنين عاديين وأغنياء وفقراء على اختلاف قاراتهم نساء ورجال كبار وأطفال متعلمين وغير متعلمين. لا يضاهيها أي تجمع بشري آخر، سواء اجتماعات الأمم المتحدة أو قمم مجموعة العشرين أو حفلات توزيع الجوائز، بقوة جذب كأس العالم وتأثيرها العالمي الشامل. تقام البطولة كل 4 سنوات في دولة أو قارة، فتصبح لحظة تاريخية تجمع البشرية في شغف واحد.

منذ نشأتها، لعبت كرة القدم دوراً دبلوماسياً موحدا فريداً. في هدنة عيد الميلاد عام 1914 خلال الحرب العالمية الأولى، توقف الجنود البريطانيون والألمان عن القتال ولعبوا مباراة كرة قدم في أرض محايدة، ما أصبحت رمزاً عالمياً للسلام والإنسانية.

وفي 1930، أقيمت أول بطولة كأس عالم في أوروجواي بهدف جمع الشعوب وتعزيز السلام، حيث وُصفت المباريات بأنها لقاء عائلي عالمي. وفي 1998، شهدت مباراة إيران والولايات المتحدة في فرنسا لحظة تقارب سياسي، حيث قدم اللاعبون الإيرانيون باقات ورد للأمريكيين.

كما أسهم قائد منتخب كوت ديفوار ديدييه دروغبا عام 2005 في دعوة للسلام خلال الحرب الأهلية، ما ساعد على توقيع اتفاق سلام بعد إقامة مباراة في المنطقة المتمردة. وفي جنوب إفريقيا 2010، عزز المونديال الوحدة الوطنية بعد الأبارتهايد، بينما ساعد مونديال ألمانيا 2006 على إعادة بناء صورة البلاد دولياً.

ورغم أن الهدف الأساسي للبطولة رياضي وترفيهي، فإن الجانب الاقتصادي أصبح ركيزة أساسية منذ البدايات. تحولت كأس العالم إلى محرك اقتصادي هائل يدفع عجلة التنمية في الدول المستضيفة لعقود مقبلة، كل الدول التي استضافت كأس العالم حققت قفزات تنموية كبرى بعد الحدث لأن ما يجري قبل البطولة من عمليات تحديث للبنية التحتية وحجم الإنشاءات الجديدة والطرق ووسائل النقل يغير شكل تلك المدن لعقود مقبلة، في كوريا الجنوبية واليابان 2002، أسهمت البطولة في تحسين البنية التحتية وزيادة السياحة بمستويات قياسية.

 أما في ألمانيا 2006 فقد صنعت عشرات الآلاف من فرص الوظائف المؤقتة وزادت الإنفاق المحلي بشكل ملحوظ. وفي جنوب إفريقيا 2010 والبرازيل 2014، أدت الاستثمارات الضخمة في المطارات والطرق والملاعب إلى تعزيز قطاعات السياحة والخدمات، رغم بعض التحديات، أما في قطر 2022 فقد رفعت الناتج المحلي بنسبة تصل إلى 0.7 - 1% من السياحة والبث التلفزيوني وحده.

أما بالنسبة لنسخة 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، فيتوقع أن يحقق المونديال أكبر أثر اقتصادي في تاريخ البطولة، حيث يصل الأثر الإجمالي العالمي إلى 80.1 مليار دولار، مع إسهام في الناتج المحلي الإجمالي يصل إلى 40.9 مليار دولار.

ويتوقع الفيفا إيرادات تصل إلى 8.9-13 مليار دولار، تأتي بشكل أساسي من حقوق البث التي تتجاوز 4 مليارات دولار، والرعايات نحو 2.7-2.8 مليار دولار، والتذاكر والضيافة نحو 3 مليارات دولار. أما التوزيع على الدول المضيفة فيشمل للولايات المتحدة نحو 30.5 مليار دولار إنتاج اقتصادي و17.2 مليار دولار في الناتج المحلي مع 185 ألف وظيفة، بينما تحصل المكسيك على 2.7-3.1 مليار دولار وكندا على 3.8 مليار دولار كندي.

يتجاوز تأثير كأس العالم الجانب المادي إلى الجانب الإنساني، إذ تعزز الوحدة الوطنية والهوية الثقافية، وتفتح أبواب التواصل بين الشعوب، وتكسر الحواجز الثقافية، كما تزيد من مشاركة الشباب في الرياضة، وتحسن الصورة الدولية للدولة المستضيفة، وتُلهم الأجيال وتنشر قيم التنافس الشريف والتسامح.

في الختام، كأس العالم ليست مجرد بطولة كرة قدم، بل ظاهرة اقتصادية وثقافية وسياسية عالمية، مع انطلاق مونديال 2026، وانتظار ما سيحدثه مونديال المغرب والبرتغال وإسبانيا في 2030 في التنمية في تلك الدول، واستعداد السعودية لاستضافة كأس العالم 2034 بمشاريع نوعية وعملاقة ستغير من شكل السعودية لعقود، يتجدد الأمل بأن تكون هذه البطولات بوابة للتنمية الشاملة والفخر الوطني والتقارب بين الشعوب.
للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية