لم يتوقع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ولا أي شخص يعمل في إدارته، الحكم النهائي الذي أصدرته المحكمة الفيدرالية العليا في البلاد، والذي أبطل الجزء الأكبر من الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب على العالم فور وصوله مرة أخرى إلى البيت الأبيض. كان الاعتقاد أن قضاة عينهم الرئيس الأمريكي في فترته الأولى، لا يمكن أن يتجاوزوا "الخطوط الحمراء"، وسيصوتون دعماً للرسوم الجمركية المختلفة.
فقد ترمب بحكم المحكمة، القدرة على استخدام التعريفات كنوع من أنواع أسلحة الضغط، في معالجته لمسائل دولية مختلفة، كما أنه تعرض للطعن من جهة شعاره العريض وهو "أمريكا أولاً". هذا الشعار الذي يعتقد أنه أعاده للبيت الأبيض مرة ثانية، بل ودفعه حتى للتفكير بالعودة للمرة الثالثة!
المسألة الآن باتت أوضح مما كانت قبل قرار المحكمة، لكنها رفعت من مستوى عدم اليقين الذي يسود الساحة الاقتصادية العالمية، وفي مقدمتها الأمريكية. لا يحق للرئيس فرض تعريفات جديدة دون الرجوع إلى مجلس النواب، ليس فقط من ناحية تشريعية، بل من جهة يعتقد حتى نواب في حزب ترمب، وهي أن التعريفات تسهم في توتير العلاقات مع الدول الأخرى، بما فيها "الحلفاء"، يضاف إلى ذلك، أن رسوم ترمب أسهمت (وفق كل البيانات) في رفع أسعار السلع على المستهلك الأمريكي، لأن المستوردين أضافوا ببساطة التعريفات الجديدة على سعر السلعة.
وقد شعرت إدارة ترمب بالفعل في الأشهر الماضية بهذه المشكلة، في الوقت الذي تحضر نفسها فيه للانتخابات النصفية، التي تشير التوقعات إلى أن الجمهوريين لن يحققوا فيها مكاسب.
بالطبع ليس من طبيعة هذا الرئيس التراجع، فعلى الفور استخدم قانوناً يعود للعام 1974، وفرض بموجبه رسوم جمركية بنسبة 10%، على أنه يعود بعد ساعات لرفعها إلى 15%، ما رفع بالفعل حدة الإرباك التجاري داخلياً وخارجياً. يريد "الانتقام" من المحكمة العليا، لكنه يفتقر حتى الآن إلى إستراتيجية واضحة للرد، تكفل له بعضاً من أدواته التي يفضل أن يستخدمها في الحراك السياسي والاقتصادي في آن معاً. ا
المسألة لا تتعلق فقط بقرار هذه المحكمة، بل تشمل بصورة أخطر، تشققات ضمن "النسيج" الجمهوري في الكونجرس. عدد من نواب هذا الحزب، صوت مع الديمقراطيين أخيراً على إنهاء الرسوم التي فرضها ترمب على كندا. كان ذلك ضربة سبقت قرار المحكمة العليا.
لن يغلق هذا الملف بالطبع. فهناك تداعيات كثيراً للرسوم نفسها، بما في ذلك أحقية من دفعها في الحصول عليها مجدداً، حيث تقدر في الوقت الراهن بحدود 170 مليار دولار، بل أن هناك أمكانية لمطالبة جهات أجنبية بذلك أيضاً. إنها عملية معقدة، لكن أوضح ما فيها، أن البيت الأبيض عرف النطاق الذي يمكنه أن يتحرك فيه، في ظل وجود مؤسسات تشريعية، وكذلك في بيئة تقوم على فصل السلطات عن بعضها بعضا.
كاتب اقتصادي
