المدن لا تُعرف بحدودها الجغرافية أو بكتلتها الخرسانية، بل بقدرتها على إدارة الرمزية، وتوليد القيمة، وتحقيق التناغم بين حركة الإنسان الحيوية وجاذبية المكان، وحينما تكون هذه المدينة هي مكة المكرمة، فإننا لا نتحدث عن جغرافيا عادية، بل عن مركز الثقل الروحي لمليارات ومئات الملايين من البشر.
منذ صدور الأمر الملكي بتأسيس الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة في يونيو 2018 برئاسة الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، انطلقت ورشة عمل تاريخية لم تكن تهدف إلى تحسين الواقع الفعلي فحسب، بل إلى إعادة صياغة المفهوم الاقتصادي والاجتماعي للعاصمة المقدسة.
من يراقب المشهد الاقتصادي للعاصمة المقدسة طوال العقود الماضية يرصد ظاهرة الموجات، حيث تبلغ ذروتها في موسم الحج وشهر رمضان، ثم تدخل مكة في مرحلة هدوء نسبي باقي العام، وهنا تكمن فلسفة إستراتيجية الهيئة الملكية، تفكيك موسمية المكان وتحويله إلى تجربة مستدامة على مدى الـ 365 يوماً لخدمة أكبر عدد من المسلمين.
من خلال رصدي للمشهد في مكة المكرمة، لم تعد المشاريع العقارية هناك مجرد مبانٍ للإيواء الفندقي، بل تحولت إلى منصات تنموية متكاملة عبر تفعيل الأصول المعطلة وتحويل المناطق العشوائية المتاخمة للمركز إلى أصول منتجة، ما رفع القيمة في مكة بشكل قياسي، لتستعيد المدينة هويتها البصرية التي تليق بها، وانتهى التلوث البصري.
إن الملاحظة الأكثر رصداً وتميزاً في مسيرة الهيئة، ملف معالجة الأحياء العشوائية المحيطة بالحرم، إذ لم تكتفِ الهيئة بالإزالة الميكانيكية، بل قادت تحولا اجتماعياً وفلسفياً عميقاً من خلال التصحيح السكاني والاجتماعي، وفرض كود عمراني يحاكي أصالة العمارة الإسلامية والمكية العريقة.
لم تعد الدولة هي الممول الوحيد للبنية التحتية، بل حشدت الهيئة القطاع الخاص للمشاركة، وصنعت بيئة تشريعية وتنظيمية مرنة جاذبة لصناديق الاستثمار المحلية والعالمية، ما جعل مكة خياراً آمناً وعالي القيمة، تضمنه تدفقات المعتمرين المستهدفة لنحو 30 مليون معتمر في أكبر سوق ضيافة دينية في العالم، وفي هذا السياق تبرز القيمة المضافة الإستراتيجية لمشاريع مكة التنموية الكبرى.
طرحت الهيئة فرصاً استثمارية ضخمة في التطوير العقاري، الضيافة، النقل، والخدمات اللوجستية، إضافة إلى تعظيم أثر الأوقاف في مشاريع البنية التحتية التي تهدف جميعها إلى تسهيل رحلة الضيف من خلال خفض الجهد البدني والوقت للحجاج والمعتمرين عبر سلاسل الحركة، وهذا ما يشعر به الحاج والمعتمر اليوم وبشكل خاص في شهر رمضان.
لهذا يبرز مشروع "مسار" طريق الملك عبدالعزيز، واجهة غربية رئيسية للعاصمة المقدسة بطول 3.65 كيلومتر ويربطها بمحطة قطار الحرمين وصولاً لساحات الحرم الغربية، والمفهوم هنا يقوم على الفصل بين حركة المشاة وحركة المركبات، حيث قضى على الاختناقات التاريخية.
وفي منظومة النقل، نجح مشروع حافلات مكة في سحب ملايين الرحلات الخاصة من الشوارع عبر شبكة ذكية وصديقة للبيئة، أما شبكات الطرق الدائرية الهيكلية (الأول والثاني والثالث والرابع) بهدف عزل حركة العابرين والمتوجهين للحرم والمشاعر عن النسيج السكني الداخلي المخصص لحياة السكان اليومية.
وفي منى وعرفات ومزدلفة، انتقلت الهيئة من الحلول المؤقتة للمواسم إلى إعادة هندسة المشاعر المقدسة، عبر ذراعها التنفيذي، شركة كدانة، أنجزت أكثر من 25 مشروعا جاهزاً لحج هذا العام، أقامت مستشفى طوارئ جديد في منى بـ 400 سرير، وتطوير كفاءة منشآت الجمرات، وتظليل وتبريد مسارات المشاة الطويلة، تحولت رحلة الحاج من مشقة بدنية قاسية إلى تجربة ميسرة وآمنة صحياً.
في الختام: لإدراك حجم التغيير الذي أحدثته الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، يكفي أن نراقب فلسفة إدارة التحول من خلال هيكلة اتخاذ القرار، ونهج إدارة المشاريع ونموذجها المالي وتجربة الضيف، بوصفها رحلة متكاملة تبدأ من الوصول للمطارات والطرق البرية حتى المغادرة، هذه ليست مشاريع متفرقة، بل شبكة حضرية تعيد توزيع الحركة، وتقلل الاحتكاك، وتزيد الكفاءة، ومكة لا نظير لها، مدينة تستقبل العالم، وتعيد إنتاج نفسها كل عام، وتتعلم من كل موسم.
اقتصادي في السياسات الاقتصادية وإدارة إستراتيجيات الأعمال والشراكات الإستراتيجية.
