أحمد الشهري
منذ إطلاق رؤية المملكة 2030 في أبريل 2016، برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وبقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، انطلق مشروع وطني يعيد تشكيل مصادر القوة الاقتصادية للمملكة، ويؤسس لتنمية أكثر تنوعاً واستدامة، وقد سار هذا التحول عبر مسارين متكاملين.
تطوير البيئة الاقتصادية وتعزيز كفاءتها، وبناء قطاعات تفتح مصادر جديدة للنمو والاستثمار والتوظيف، والمشاريع الكبرى تصنع أثراً مستداماً عندما تسندها تشريعات فعّالة، وتمويل متنوع، وكفاءات وطنية، وشراكة واسعة مع القطاع الخاص.
في المسار الأول، كان تنويع موارد المالية العامة أحد أبرز ملامح التحول؛ إذ ارتفعت الإيرادات الحكومية غير النفطية من 186 مليار ريال في سنة الأساس 2016 إلى 505.3 مليار ريال في عام 2025، لتبلغ نحو 2.7 ضعف مستواها عند إطلاق الرؤية؛ ويعكس ذلك اتساع الموارد غير النفطية للميزانية.
وعلى مستوى الإنتاج، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي من نحو 3.7 تريليون ريال في عام 2016 إلى نحو 4.9 تريليون ريال في عام 2025، بزيادة تقارب 1.2 تريليون ريال، وبلغت مساهمة الأنشطة غير النفطية نحو 55% من الناتج المحلي الحقيقي في عام 2025، بقيمة تجاوزت 2.7 تريليون ريال، وتكشف هذه المؤشرات عن قاعدة إنتاجية أوسع، ودور متنامٍ للأنشطة غير النفطية، إلى جانب مكانة قطاع الطاقة في الاقتصاد الوطني.
ومع اتساع النشاط الاقتصادي، توسعت قاعدته التمويلية؛ فارتفع رصيد الائتمان المصرفي الممنوح للقطاع الخاص من نحو 1.4 تريليون ريال في عام 2016 إلى نحو 3 تريليونات ريال بنهاية عام 2025، متجاوزاً ضعف مستواه في سنة الأساس، وتكمن أهمية هذا التوسع في إتاحة التمويل لنمو المنشآت وتطوير أعمالها، بينما تتحدد ثماره بما يحققه من إنتاجية وقدرة تنافسية، وبالتوازي، وصل عدد السجلات التجارية إلى نحو 1.8 مليون سجل، بما يشير إلى اتساع قاعدة التسجيل التجاري.
واتسعت كذلك قاعدة الاستثمار الأجنبي المباشر؛ إذ ارتفع رصيده من 496.2 مليار ريال بنهاية عام 2016 إلى نحو 1.1 تريليون ريال بنهاية عام 2025، أي إلى أكثر من الضعف، وشكّل الاستثمار المباشر نحو 33% من إجمالي رصيد الاستثمار الأجنبي والبالغة نحو 3.32 تريليون ريال بنهاية عام 2025، والتي تشمل استثمارات الحافظة والاستثمارات الأخرى، ويُظهر نمو رصيد الاستثمار المباشر اتساع حضور رأس المال الأجنبي وثقته في الاقتصاد السعودي.
أما المسار الثاني، المتمثل في بناء محركات إضافية للنمو، فقد اضطلع صندوق الاستثمارات العامة بدور محوري، من خلال توسيع دائرة الاستثمار وتطوير قطاعات وأسواق جديدة، وارتفعت الأصول تحت إدارته من نحو 600 مليار ريال في 2016 إلى 3.396 تريليون ريال بنهاية عام 2025، لتبلغ نحو 5.7 ضعف مستواها عند إطلاق الرؤية.
ووفق التقرير السنوي للصندوق لعام 2025، بلغت استثماراته التراكمية في المشاريع المحلية الجديدة نحو 750 مليار ريال خلال الفترة 2021–2025، فيما بلغت الاستثمارات المحلية الجديدة خلال عام 2025 وحده 171.1 مليار ريال. ومن هذه الزاوية، تُقرأ مشاريع نيوم والقدية والدرعية وروشن والبحر الأحمر بوصفها منصات لتنمية أنشطة اقتصادية، وتوسيع سلاسل الإمداد المحلية، واستقطاب المستثمرين، وتوليد فرص العمل.
ويبدأ أثر هذه المشاريع بالطلب على الإنشاء والتطوير، ثم يتعمق مع الانتقال إلى التشغيل، حين تتحول الأصول إلى منتجات وخدمات وإيرادات متكررة، فالمعيار الاقتصادي الأهم هو قدرة الاستثمار على بناء نشاط يستمر، ويتيح للشركات الوطنية فرصاً للتوسع، وللكفاءات السعودية مجالاً لاكتساب الخبرة ورفع الإنتاجية.
وبحسب بيانات الصندوق، بلغت مساهمته التراكمية في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي غير النفطي 1.286 تريليون ريال خلال الفترة 2021–2025، فيما بلغت مساهمته في عام 2025 وحده نحو 11% من الناتج غير النفطي، كما أنفق الصندوق وشركات محفظته أكثر من 590 مليار ريال على القطاع الخاص المحلي خلال الفترة 2020–2024، وبلغت نسبة المحتوى المحلي، وفق مؤشر الصندوق، 57% في 2024، وتوضح هذه المؤشرات كيف يمتد أثر الاستثمار إلى الموردين والشركات الوطنية، بما يعمّق القيمة الاقتصادية المتولدة داخل المملكة.
وهنا تتجسد العلاقة بين المسارين: فالإصلاحات تهيئ بيئة الاستثمار، والتمويل يتيح التوسع، والمشاريع تفتح أسواقاً وفرصاً جديدة، وتتشارك الميزانية العامة والصندوق والقطاع الخاص في تطوير الاقتصاد القائم وبناء قدرات إضافية؛ لذلك فإن قوة التحول تنبع من تكامل هذه الأدوار، ومن انتقال أثرها إلى الإنتاج والدخل والتوظيف.
وفي اليوم الوطني، تروي أرقام الرؤية قصة وطن وسّع قدراته، ونوّع أدواته، وربط طموحه بمشاريع وإصلاحات واستثمارات، وتزداد قيمة هذه المنجزات كلما تحولت إلى منشآت أكثر إنتاجية، وكفاءات أكثر تمكناً، ومصادر دخل أكثر استدامة، وبين إصلاح البيئة الاقتصادية وبناء محركات جديدة للنمو، تتشكل قدرة السعودية على صناعة مستقبلها بثقة، وترسيخ مكانتها الاقتصادية لعقود مقبلة.
اقتصادي في السياسات الاقتصادية وإدارة إستراتيجيات الأعمال والشراكات الإستراتيجية.

