الاثنين, 14 سبتمبر 2026|1 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

في منتصف 1973 وجدت فرنسا نفسها في موقف لا تُحسد عليه. فهي دولة صناعية تملك المصانع والتقنيات ورأس المال المادي والبشري، لكنها لا تملك عاملًا مهمًا وحاسمًا في دوران عجلتها الاقتصادية وهو النفط. فمع اندلاع حرب 1973 وما تلاها من أزمة نفطية وارتفاع تاريخي في الأسعار، اكتشفت باريس أن اعتمادها الكبير على النفط المستورد لم يعد مجرد مشكلة اقتصادية، بل أصبح يتعلق بأمنها الوطني وأمن الطاقة واستقلال قرارها الاقتصادي.

ولذلك ارتأت الحكومة الفرنسية التحرك سريعًا، وأعلنت في العام التالي 1974 خطة جريئة للتوسع في الطاقة النووية وبناء المفاعلات، عُرفت بـ"خطة ميسمير" نسبة إلى رئيس الوزراء الفرنسي آنذاك. وكانت الفكرة عقلانية ومباشرة: إذا كانت فرنسا لا تملك النفط، ولا تستطيع التحكم في أسعاره أو ضمان وصوله إليها وقت الاضطرابات الجيوسياسية، فلماذا لا تعتمد في توليد جزء كبير من كهربائها على مصدر تستطيع إنتاجه والتحكم فيه داخل أراضيها؟

بدأ العمل ووضعت الخطط، وكان من أشهر شعارات تلك المرحلة في فرنسا " في فرنسا لا نملك النفط.. ولكن لدينا أفكار". ولم يبقَ الأمر مجرد شعار، فقد شرعت فرنسا في بناء واحد من أكبر البرامج النووية في العالم آنذاك، وبالفعل أصبحت الطاقة النووية خلال عقود قليلة العمود الفقري لمنظومة توليد الكهرباء لديها. والمثير فعلًا أننا في 2026، وبعد أكثر من نصف قرن، لا تزال فرنسا تنتج نحو ثلثي كهربائها من الطاقة النووية!

والسؤال هنا: ما علاقة قصة فرنسا وما حدث فيها قبل أكثر من 50 عامًا بما يحدث في السعودية اليوم؟

المفارقة أن الحالة السعودية تبدو معاكسة تمامًا للحالة الفرنسية. فالسعودية تتجه إلى تطوير برنامجها النووي مع امتلاكها واحدًا من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، إضافة إلى موارد ضخمة من الغاز الطبيعي، وواحدة من أفضل البيئات لإنتاج الطاقة الشمسية. فلماذا تحتاج السعودية إلى الطاقة النووية أصلًا مع ما يصاحبها من جدل سياسي وبيئي؟

للإجابة عن هذا السؤال، يجب ألا ننظر إلى مصادر الطاقة المختلفة من نفط وغاز وطاقة شمسية ونووية وكأنها بدائل يلغي أحدها الآخر، بل على أن لكل مصدر خصائص ومزايا قد لا تتوافر في الآخر ، ولذلك أرى أن المستقبل سيكون لمزيج الطاقة، وذلك عبر دمج مصادرها بشكل تكاملي يحقق أعلى كفاءة وموثوقية بأفضل تكلفة ممكنة. فقوة الدول اليوم لا ترتبط فقط بعدد مصانعها ولا بعدتها وعتادها، بل بقدرتها على تأمين الطاقة التي تحرك اقتصادها. فلا صناعة ولا مدن حديثة ولا تحلية مياه ولا حتى ذكاء اصطناعي ومراكز بيانات دون إمدادات مستدامة وموثوقة من الطاقة. فالاقتصاد هو الجسد، والطاقة هي الدم الذي يجري في عروقه.

ودعونا نأخذ مثالًا واحدًا من أشكال الطاقة في المملكة لتوضيح الفكرة. فالسعودية تتمتع بإشعاع شمسي مرتفع خلال معظم أيام السنة ومساحات شاسعة، كما حققت أسعارًا تنافسية تعد من بين الأقل عالميًا في بعض مشاريعها للطاقة الشمسية. ولهذا ستكون الطاقة الشمسية جزءًا مهمًا من مستقبل المملكة، لكن لديها تحديًا واضحًا مهما انخفضت تكلفتها: الشمس تغيب، بينما الطلب على الكهرباء لا يتوقف بغيابها.

صحيح أن البطاريات تستطيع تخزين جزء من الكهرباء، لكن التخزين له تكلفة وحدود. وصحيح أيضًا أن الغاز يمكن أن يعوض انخفاض إنتاج الطاقة الشمسية ويوفر المرونة للشبكة، لكن الغاز مورد اقتصادي مهم يمكن استخدامه في أنشطة ذات قيمة أعلى مثل الصناعات والبتروكيماويات.

وفي الجهة المقابلة، من الطبيعي اقتصاديًا تقليل حرق النفط لإنتاج الكهرباء؛ فكل برميل يتم توفيره يمكن تصديره أو تحويله إلى منتجات ذات قيمة مضافة عبر التكرير والصناعات التحويلية. وفي المحصلة يمكن تعظيم القيمة الاقتصادية للنفط والغاز بدلًا من حرقهما لإنتاج الكهرباء.

ومن هنا تبرز أهمية الطاقة النووية. فالمحطات النووية يمكنها إنتاج كميات كبيرة من الكهرباء على مدار الساعة بغض النظر عن حالة الطقس. ولذلك لا أرى الطاقة النووية منافسًا للطاقة الشمسية أو أشكال الطاقة الأخرى، بل مكملًا لها؛ فالشمس توفر الكهرباء بتكلفة تنافسية عندما تكون متاحة، والغاز يوفر المرونة، بينما يستطيع النووي توفير كهرباء مستقرة على مدار السنة.

ولعل أهمية تنويع مصادر الطاقة ستزداد خلال السنوات المقبلة، لأن الطلب السعودي على الكهرباء مرشح للنمو مع التوسع الاقتصادي ومشاريع التنمية المتسارعة، بدءًا من التعدين وتوطين الصناعات وتحلية المياه، وصولًا إلى مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.

وإذا نظرنا إلى الذكاء الاصطناعي وحده، فهو ثورة تقنية تحتاج إلى كميات هائلة من الطاقة، بل أصبح أحد الأسباب التي أعادت النووي إلى الواجهة عالميًا، حتى إن شركات تقنية كبرى مثل Google بدأت توقيع عقود طويلة الأجل للحصول على الكهرباء من المحطات النووية.

وهناك بُعد آخر لا يقل أهمية عما سبق ويستحق الحديث عنه، وهو اليورانيوم الذي توجد موارده في السعودية. ولذلك يتجاوز الطموح السعودي مجرد بناء المحطات واستيراد الوقود إلى تطوير دورة الوقود النووي، بدءًا من استكشاف اليورانيوم واستخراجه ومعالجته، وصولًا إلى مراحل أكثر تقدمًا مثل التحويل والتخصيب وتصنيع الوقود، بما يحقق الجدوى الاقتصادية وضمن الأطر والضمانات الدولية. وهنا لا يعود البرنامج النووي مجرد مشروع لإنتاج الكهرباء، بل يمكن أن يصبح منظومة صناعية متكاملة تعظم القيمة المضافة، وتنقل التقنية، وتبني المعرفة والكفاءات المحلية، وتخلق فرصًا اقتصادية جديدة.

ومع هذا الطموح تأتي بطبيعة الحال تحديات يجب التعامل معها، بدءًا من اختيار التقنيات المناسبة وتكاليف الإنشاء، مرورًا ببناء الكفاءات وتطوير الأنظمة الرقابية ومعايير السلامة، ووصولًا إلى إدارة الوقود المستهلك. وهذه ليست مجرد متطلبات لبناء محطة نووية، بل لبناء قطاع نووي متكامل ومستدام يستطيع خدمة المملكة لعقود مقبلة.

وبناءً على ما سبق، أرى أن السؤال لا يجب أن يكون: لماذا تحتاج السعودية إلى النووي وهي تملك الشمس والنفط والغاز؟ بل السؤال الأصح: لماذا لا تضيف الطاقة النووية إلى مزيجها إذا كانت ستجعل منظومة الطاقة السعودية أكثر تنوعًا وموثوقية واستدامة، وفي الوقت نفسه تساعد على توجيه مواردها الأخرى إلى الاستخدامات الأعلى قيمة؟

ولعلنا نعود في النهاية إلى قصة فرنسا والدرس الذي تعلمته قبل أكثر من نصف قرن، والذي لا يزال صالحًا اليوم ولكن بصورة مختلفة: قوة الدولة لا تأتي من مجرد امتلاك موارد الطاقة، بل من قدرتها على تأمينها وتنويعها والتحكم في خياراتها. فرنسا اختارت النووي لأنها لم تكن تملك النفط، أما السعودية فقد تختاره لأنها تملك من الموارد والطموحات ما يجعل تعدد خيارات الطاقة قوة بحد ذاته.

وإذا رفع الفرنسيون في السبعينيات شعار “في فرنسا لا نملك النفط.. ولكن لدينا أفكار"، فإننا في السعودية اليوم نستطيع بكل فخر أن نرفع شعار "في السعودية نملك النفط.. ولدينا الأفكار أيضًا.

أكاديمي وباحث في شؤون الطاقة

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية