المتغيرات والمفاجآت على الساحة التجارية العالمية، لا تتوقف، وسوف تستمر لأجل غير مسمى، ولا سيما في ظل استمرار النهج الذي يتبعه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، في هذا الميدان. هذا الأخير لم يعط أي إشارة تدل على أنه يمكن أن تتبدل الأمور بعض الشيء، بما يكفل عودة الهدوء النسبي للساحة التجارية العالمية كلها. الإستراتيجية واضحة، وهي استخدام الرسوم الجمركية، ليس فقط لتعزيز الدخل القومي الأمريكي، بحسب اعتقاده الرئيس، بل أيضاً جعلها أداة ضاغطة في هذه المسألة أو تلك.
لا فرق بين حليف، أو صديق، أو جار، أو عميل تجاري عادي. الرسوم تسري على الجميع، والتبدلات فيها تنطبق على كل الجهات، بما في ذلك تلك التبدلات التي قد تحدث بين ليلة وضحاها، كما حدث أخيراً، حين فرض رسوماً على كل الاقتصادات، ورفعها في اليوم التالي.
هذه الرسوم التي جاءت "انتقاما" لترمب من قرار المحكمة الأمريكية العليا، الذي نص على دعم شرعية رسومه التجارية، أضافت مزيداً من الإرباك إلى المشهد التجاري "الفوضوي". هناك اتفاقات فعلية بين الولايات المتحدة عقدها الرئيس الأمريكي نفسه مع كل الدول تقريباً، تمت المصادقة على أغلبيتها من الأطراف المعنية، لكن المسألة اللافتة أن الاتفاق الخاص بالاتحاد الأوروبي، لا تزال المصادقة عليه مجمدة، وتأجلت لفترة أخرى في أعقاب القرار التاريخي للمحكمة الأمريكية.
فإذا كانت رسوم ترمب غير شرعية بنظر القضاء الأمريكي، فكيف يمكن العمل بالاتفاقات التي تمت بالفعل حولها؟ ربما استفاد الأوروبيون من التأجيل الأول للمصادقة على الاتفاق مع واشنطن، الذي كان سببه الخلاف الشهير مع إدارة ترمب بشأن ضم جرينلاند الأوروبية.
في كل الأحوال، الرسوم "الانتقامية" الجديدة (15 %) التي أعلنها البيت الأبيض فور صدور قرار المحكمة الأمريكية، زادت من المشهد التجاري العالمي تعقيداً. فهو استخدم حقه "المعتاد" بإصدار أوامر تنفيذية تجنباً لمواجهة تشريعية مع الكونجرس، إلا أنه ضرب في الوقت نفسه اتفاقات تجارية كان قد اعتبرها إنجازاً كبيراً لإدارته منذ وصولها إلى الحكم، ودفع كتلة هائلة مثل الاتحاد الأوروبي، لوقف المصادقة على الاتفاق الذي ينص على فرض 15 %، على معظم صادرات الاتحاد، مع فرض تعرفة بنسبة 50% على واردات الألومنيوم والصلب الأوروبية.
لا تبدو الصورة "مشرقة" في هذه الساحة المتوترة، فلا تراجع محتمل لترمب عن توجهاته الخاصة بالتعريفات، على الأقل في الفترة الفاصلة حتى موعد الانتخابات النصفية، علماً بأن رسومه السابقة والجديدة، رفعت من أسعار السلع في السوق الأمريكية، ما قد يؤثر سلباً في التوجهات الانتخابية المحلية، على الرغم من أنها وفرت مداخيل مالية للخزينة العامة.
كاتب اقتصادي
