الخميس, 22 أكتوبر 2026|10 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

أسست العولمة لنظام مثالي يسمح بتدفق التجارة ورؤوس الأموال بحرية ودون قيود، نظام يكرث لمفهوم يتفوق فيه التكامل على التنازع، وتخدم فيه التنافسية المستهلكين، وتدور داخله سلاسل التوريد في حلقة واحدة.

ولكن اليوم نرى وضع مخالفاً، فالتكامل تحول إلى استحوذاً، والأسواق باتت مستباحة أمام تدفقات الآلات الصناعية، وباتت أخبار إغلاق المصانع اعتيادية للقارئ بشكل يومي في ظل عدم القدرة على المنافسة، وكدست دول مثل الصين فائض تجاري قياسي يكبل الاقتصادات بفرعيها الناشئ والمتقدم، مع تآكل القدرة على الوصول لأسواقها المحلية.

خلال أول 9 شهور من 2026 حققت الصين فائض تجاري يومي وصل إلى نحو 3.4 مليار دولار أو ما يعادل إجمالي 938 مليار دولار، مع توقعات بأن يتجاوز مستوى 1.2 تريليون دولار بنهاية العام. يثير هذا الفائض غضب العالم، فالصين في ظل انكماش طلبها المحلي وتسارع الشركات للتصدير للخارج باتت مصدر لإغراق الأسواق بسلع تبدأ من السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة ولا تنتهي عند الصلب وألعاب الأطفال.

سلع أرخص سعراً مدعومة بيوان مقوماً بأقل من قيمته الحقيقية، ومنظومة دعم وحوافز حكومية متشعبة، وتكاليف تشغيل منخفضة، كل هذه العوامل توجه المستهلك في الأسواق المستهدفة إلى المنتج الصيني وليس المحلي ذات التكلفة الأعلى.

المنافسة الشرسة من الشركات الصينية أصبحت أحد أهم الأسباب لدفع شركات عملاقة مثل فولكس فاجن في ألمانيا لوضع خطة لتسريح 100 ألف عامل بحلول 2030، وإغلاق مصانع تاريخية لصناعة السيارات في أكبر اقتصاد في أوروبا. فقدان الوظائف وتسريحات العاملين أصبحت عادة مستشرية بين مختلف القطاعات ليس فقط في أوروبا، وانما في مناطق متفرقة بسبب الإغراق وتوجيه فائض القدرات الإنتاجية. بالتالي تتحول المعركة إلى قومية أكثر منها اقتصادية، فتتجه الحكومات إلى إجراءات تشمل فرض رسوم لحماية العمال أو إغلاق السوق أمام تدفقات التجارة، مما ينعكس على كفاءة سلاسل التوريد أو سهولة النفاذ للأسواق المستهدفة مع اتخاذ إجراءات مضادة.

عند انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في  2001 دافع صناع السياسات في الاقتصادات المتقدمة عن الخطوة لما ستجلبه من فوائد، من خفض الأسعار مع اتخاذ الصين كمركز تصنيعي منخفض التكلفة والاستفادة من سوق هائل يتجاوز مستهلكيه مليار نسمة يتطوق لاقتناء سلع غير مألوفة.

ولكن بعد مرور أكثر من عقدين صدقت المخاوف، لم تعد الصين تقليدية، وانما صبغت سلعها بتقنيات متقدمة وأصبح التحكم في سلاسل توريد صناعات حيوية تمتد من المعادن النادرة إلى البطاريات والروبوتات شبيه البشر محفزاً للتضخم وليس العكس، كما تشبع سوقها من منتجاته المحلية، وبات طارد لمنتجات الأسواق الخارجية.

ولكن على الصين إدراك أن النموذج القائم غير قابل للاستدامة والاستمرار، لن يقبل العالم أن تتدفق مدخراته إلى خزائن الشركات الصينية على هيئة فائض تجاري، ولن تقبل بوضع يعالج فيه ضعف الطلب المحلي بتسرب الوظائف وإغراق الأسواق وإغلاق مؤسسات الإنتاج.

بالتالي من المهم للصين المضي قدماً في التزامات أساسية ضمن خطتها الخمسية الجديدة تشمل تنشيط الاستهلاك وإخراج الطلب من كبوته ومعالجة الأزمة العقارية الممتدة منذ سنوات، بجانب معالجة حروب الأسعار بين الشركات تشكل أولوية لصانعي السياسات الصينية في الوقت الحالي، فالاقتصادات لا تتطور بقدرات التصدير فقط، وانما بوجود مجتمع حيوي مستهلك يعمل كمحرك للطلب والاقتصاد والوظائف ودخل الأسر والشركات.

هذا الوضع يستدعي الوصول لتفاهمات تضمن لكل طرف مصالحه سواء في حفظ الوظائف ودعم الصناعات أو الحفاظ على حرية تدفق التجارة. معالجة الاختلالات تبدأ بتحقيق المنافسة العادلة عن طريق إزالة الدعم ومزايا إبقاء العملة منخفضة، وحوافز لاستعادة قوة الاستهلاك المحلي، إضافة إلى مرونة في نقل التصنيع والمعرفة إلى مختلف الأسواق، والتوسع في سياسات صفر جمارك كتلك المطبقة على 53 دولة إفريقية لتشمل قوى اقتصادية أخرى في أوروبا وآسيا والأمريكتين.

في الختام يجد العالم نفسه في مأزق مع الصين بسبب الاختلالات التجارية. فمختلف الاقتصادات مازالت في حاجة إلى الصين لدورها في سلاسل توريد حيوية وسوقها الاستهلاكي، ولكنها تعاني من فائض طاقتها الإنتاجية الموجهة إلى أسواقها وتضر عامليها وشركاتها. وتصعيد النزاع لن يصب في مصلحة أي طرف، وأكثر ما يحتاجه العالم اليوم هو مفاوضات حقيقية تعيد الثقة وتبنى أطر للتكامل تحفظ للجميع حقوقه في التنمية والرخاء المشترك، وتحتوي مخاطر أسواق العمل ومصالح الشركات الوطنية.

مستشارة اقتصادية

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية