في زمن يشهد تغيرات متسارعة فالقوى التي تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي - في التجارة، والجيوسياسة، والتكنولوجيا، والتركيبة السكانية - تتحرك بوتيرة أسرع من أي وقت مضى في التاريخ الحديث.
كما أظهرت الأسابيع الأخيرة، فإن عصر التغير السريع هذا كان أيضاً عصراً للصدمات المتكررة. ورغم أنني كنت أنوي الحديث اليوم عن التغير أكثر من الصدمات - وبالأخص عن الصعود التاريخي والسريع للصين في الاقتصاد العالمي - هنا أقدم بعض الأفكار حول التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط. أدى الصراع في الشرق الأوسط إلى ظهور مصدر جديد ومهم للمخاطر في الاقتصاد العالمي، الذي كان يبدو حتى وقت قريب متماسكًا إلى حد معقول.
لا يزال من الصعب تقييم التداعيات الكاملة، لكننا نتوقع أن تفرض هذه التطورات مفاضلات معقدة على صانعي السياسات. وبالطبع، يُعد السعر خط الدفاع الأول ضد اضطرابات الإمداد، ينبغي السماح للطلب بالتكيف إلى حد معين لضمان أن تكون الاستخدامات الحدية للطاقة هي الأكثر إنتاجية. لكن من المفهوم أن السياسة المالية قد تحتاج إلى لعب دور في التكيف مع صدمة الطاقة. قد تحاول الحكومات حماية الأسر من خلال وضع حدود قصوى لاستهلاك الطاقة وبرامج الدعم.
قد يخفف هذا من ضغوط تكلفة المعيشة على المدى القصير، لكن هذه التدابير مكلفة ماليًا في وقت تعاني فيه عديد من الميزانيات الحكومية ضغوطا. ولأنها تكبح إشارات الأسعار، فإنها غالبًا ما تمنع خفضًا منظمًا في استهلاك الطاقة، وقد تُبقي أسعار الطاقة الإجمالية - والطلب بشكل عام - مرتفعة لفترة أطول. بالنسبة للبنوك المركزية، تُعد بيئة السياسات بالغة الصعوبة.
إذا استمرت أسعار الطاقة مرتفعة لفترة أطول، فقد تضطر البنوك المركزية إلى الموازنة بين مخاطر استقرار الأسعار وانكماش الاقتصاد واحتمالية تشديد الأوضاع المالية.
قد تحتاج البنوك المركزية التي لديها توقعات تضخم أقل ثباتًا والتي تعاني تضخما مرتفعا باستمرار إلى الاستجابة بشكل أسرع. لكن البنوك المركزية التي كانت في حالة تجميد أو بصدد تعديل سياستها تدريجيًا، يُرجّح أن يكون لديها متسع من الوقت للحصول على مزيد من الوضوح بشأن الوضع سريع التطور قبل اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان التحول - سواء نحو موقف أكثر تقييدًا لمعالجة مخاطر التضخم أو موقف أكثر تيسيرًا لمعالجة مخاطر الإنتاج – مُبررًا.
من الأهمية بمكان أن توضح جميع البنوك المركزية آليات استجابتها المحتملة، بما في ذلك تحليل السيناريوهات، لتوعية السوق بالمسارات السياسية المحتملة في حال تحققت مخاطر التضخم والإنتاج. بالطبع، ما زلنا في البداية، وقد تتغير الأمور كثيرًا.
كما أظهرت التجارب الحديثة أن السماح للقطاع الخاص بالتكيف والابتكار استجابةً للصدمات يمكن أن يعزز مرونة الاقتصاد بشكل عام. وانطلاقًا من هذه الدروس، أتطرق إلى الصين. فقد أثبتت الصين مرونتها في مواجهة الصدمات الهائلة خلال العقود الماضية، ويعود ذلك جزئيًا إلى قدرة قطاعها الخاص على التكيف. إن منح قوى السوق دورًا أكبر في المستقبل من شأنه أن يوفر أساسًا أعمق وأكثر استدامة لهذه المرونة.
الصعود الصاروخي للصين على مدى الأربعين عامًا الماضية، حقق صناع السياسات في الصين أحد أبرز الإنجازات في تاريخ الاقتصاد العالمي. في 1978، عشية انطلاق حملة "الإصلاح والانفتاح"، كانت الصين تعاني أحد أدنى مستويات دخل الفرد في العالم. وبفضل القيادة الحكيمة طويلة الأمد، إلى جانب العمل الدؤوب للشعب الصيني، حققت البلاد نموًا سريعًا على مدى عقود، وحوّلتها إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
وانتشل أكثر من 800 مليون شخص من براثن الفقر المدقع، وشهدت الطبقة المتوسطة نموًا هائلًا. وخلف هذه الإنجازات، وُضعت سياسات مدروسة بعناية، جمعت بين الإصلاحات الموجهة نحو السوق وتوجيه الدولة للموارد، مع توجه عام نحو تعزيز دور القطاع الخاص.
فعلى سبيل المثال، انخفضت حصة الشركات المملوكة للدولة من إجمالي إيرادات القطاع الصناعي من نحو 50% إلى 20% خلال الفترة من 1999 إلى 2015.
مع ذلك، شهد دور القطاع الخاص المتزايد تباطؤًا في السنوات الأخيرة. تزامن هذا مع تباطؤ النمو الإجمالي في الصين وسط تراجع كفاءة تخصيص الموارد، وانخفاض عائدات الاستثمار، والضغوط الديموغرافية.
ولا تزال هناك تحديات كبيرة، بما في ذلك الضغوط الانكماشية التي قد تتفاقم إذا استمر ضعف الطلب المحلي، وخاصة الاستهلاك. وتُعد الإصلاحات اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى لتعزيز محركات نمو جديدة. إعادة التوازن وإطلاق العنان لقوة قوى السوق في الواقع، يُدرك صانعو السياسات في الصين هذه التحديات ويتخذون خطوات لمواجهتها. فقد تبنوا سياسة مالية أكثر توسعًا في عامي 2025 و2026، وبدأوا حملتهم لمكافحة الانكماش بهدف الحد من الإفراط في الاستثمار في بعض القطاعات.
وتُعطي خطتهم الخمسية الخامسة عشرة الأولوية لزيادة الاستهلاك كمحرك للنمو الاقتصادي، ما سيُساعد أيضًا على تقليل الاختلالات الخارجية للصين. هذه إجراءات مفيدة، لكن بإمكان الصين بذل مزيد لزيادة الاستهلاك والطلب المحلي، ولا سيما على الخدمات، من خلال تعزيز دخول الأسر وتقليل الحوافز للادخار الاحترازي. وهذا يعني تحويل الموارد من دعم الصناعة والبنية التحتية إلى برامج الحماية الاجتماعية، وتحقيق استقرار قطاع العقارات لمنح المواطنين الثقة للإنفاق أكثر والادخار أقل. كما يعني أيضًا نقل عبء الضرائب من الأسر متوسطة الدخل، التي تُفرض عليها ضرائب باهظة بالفعل، إلى الأسر ذات الدخل الأعلى، وتقليص الإعفاءات الضريبية للشركات.
نرى ثلاثة محاور للإصلاح قد يكون لها أثر بالغ. أولًا، ينبغي للسلطات مواصلة العمل على تحقيق تكافؤ الفرص بين الشركات. فقد اعتمدت الصين بشكل كبير على مزيج من الإعانات والإعفاءات الضريبية والائتمان الميسر لدعم القطاعات ذات الأولوية.
وقد كانت هذه الإجراءات مفيدة في بعض الحالات لتصحيح إخفاقات السوق ودعم أهداف سياسية كالأمن القومي، لكنها لم تكن بلا تكلفة. تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن تقليص المعاملة التفضيلية الممنوحة لشركات وقطاعات محددة قد يعزز الإنتاجية الإجمالية بأكثر من 1%، ما يرفع بدوره مستوى الناتج المحلي الإجمالي للصين بنسبة تصل إلى 2%. ويُعدّ توفير بيئة تنافسية عادلة، تُمكّن الشركات الخاصة والشركات الصغيرة والمتوسطة، وحتى الشركات الأجنبية، من التنافس بنزاهة، أمرًا أساسيًا للابتكار والإنتاجية، وسيؤدي إلى زيادة الدخل ومنح المستهلكين خيارات أوسع.
ويُمثّل قانون تشجيع الاقتصاد الخاص الذي أصدرته الحكومة بدايةً مُجدية. أما الركيزة الثانية، فتتمثل في زيادة الاعتماد على التسعير القائم على السوق. ويُعدّ سعر رأس المال من أهم الأسعار في أي اقتصاد، فهو يُؤثر في قرارات الاستثمار ويُحدد مسار تدفق الموارد.
في الصين، أدّى توجيه رأس المال نحو المقترضين الأقل إنتاجية إلى ارتفاع الديون، وإضعاف المؤسسات المالية، والمساهمة في التراجع الاقتصادي، حيث يتم دعم الشركات الأضعف على حساب الشركات الأقوى والأكثر كفاءة. ومن شأن الإصلاحات الموجهة نحو السوق، والتي تُمكّن من توجيه حصة أكبر من التمويل إلى الشركات الأكثر إنتاجية، وتُقلّل من حوافز الإفراط في الإنتاج.
أما الركيزة الثالثة فتتمثل في تعزيز قطاع الخدمات لتحقيق نمو اقتصادي أكثر استدامة. يُعدّ قطاع الخدمات الصيني أصغر حجمًا بكثير من قطاعات الاقتصادات الكبرى الأخرى، ومع استحواذ الصين بالفعل على نحو 30% من الناتج الصناعي العالمي، فإن أمام قطاع الخدمات مجالًا واسعًا للنمو.
في الواقع، تنمو إنتاجية عوامل الإنتاج الكلية في قطاع الخدمات في الصين بوتيرة أسرع من قطاع التصنيع. ومع تقليل القيود التنظيمية وإتاحة دور أكبر للسوق، يُمكن لقطاعات أخرى في اقتصاد الخدمات أن تنمو بوتيرة أسرع، بما في ذلك الرعاية الصحية والتعليم والخدمات المهنية والتقنية، ما سيرفع الإنتاجية بشكل مستدام. المرحلة التالية للصين تُعدّ قوى السوق مفتاحًا لإطلاق المرحلة التالية من النمو الاقتصادي في الصين.
وسيتعيّن على الدولة أن تتطور. فبدلًا من توجيه الاستثمارات نحو صناعات محددة، ينبغي للحكومة تهيئة الظروف التي تُمكّن القطاع الخاص من الابتكار وقوى السوق من توجيه موارد الصين الهائلة إلى حيث يُمكنها توليد أكبر قيمة. سيكون هذا التحول مفيداً للصين، وفي عالم سريع التغير وعرضة للصدمات ويحتاج إلى مصادر دائمة للديناميكية والاستقرار، سيكون مفيداً لنا جميعاً.
المدير العام لصندوق النقد الدولي
