الثلاثاء, 18 أغسطس 2026|4 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

يشهد الذكاء الاصطناعي صيفاً صاخباً مع اختراق نماذج مثل "ميتا" و"أوبن إيه آي" أنظمة أخرى. في تكساس، أمر الحاكم غريغ أبوت بمراجعة مراكز البيانات قبل ربطها بالكهرباء، وسط ضغوط سياسية متزايدة لوقف إنشاء مراكز جديدة. الأمريكيون يعارضون الذكاء الاصطناعي ويخشون تأثيره في الوظائف، ما يهدد مستقبل التكنولوجيا بسبب نقص القبول السياسي والمجتمعي.

يشهد الذكاء الاصطناعي صيفاً صاخباً. فقد أفلتت نماذج طورتها شركات مثل أنثروبيك (Anthropic PBC) و"أوبن إيه آي" (OpenAI) من بيئات الاختبار المعزولة، واخترقت في بعض الحالات أنظمة أخرى بعد ذلك. وتشهد سياسات الذكاء الاصطناعي تمرداً مماثلاً، إذ انتقلت من النقاشات بشأن مراكز البيانات إلى رد فعل سلبي متزايد ضد التكنولوجيا نفسها والقائمين عليها. وأصبح خطر فرض تنظيمات مفرطة ملموساً الآن، مع تداعيات على شركات التكنولوجيا الكبرى ومزودي الطاقة الذين يغذونها.

فجّر حاكم تكساس غريغ أبوت مفاجأة مدوية في وقت سابق من الشهر الجاري. فبعد أقل من عام على ظهوره على المسرح مع سوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي لشركة "ألفابت" (Alphabet Inc)، وإشادته بتكساس باعتبارها "مركز تطوير الذكاء الاصطناعي"، وجّه أبوت الجهات التنظيمية في الولاية بإجراء "مراجعة شاملة لمراكز البيانات"، لتقييم آثارها على الموارد والمجتمعات المحلية قبل السماح بربطها بشبكة الكهرباء.

مراكز البيانات تدخل سباق الانتخابات

أما المدة التي ستستغرقها تلك المراجعة فلا تعدو كونها تخميناً، لكن يبدو من غير المرجح أن تنتهي قبل 3 نوفمبر. (قالت الشركة المشغلة للشبكة إنها ستستغرق "عدة أشهر"). ويخوض أبوت سباقاً محتدماً على منصب الحاكم أمام منافسته الديمقراطية جينا هينوجوسا، التي دعته الشهر الماضي إلى فرض وقف مؤقت على مراكز البيانات الجديدة. ولم تضع هذه الخطوة أبوت حليفه الرئيس دونالد ترمب في مواجهته فحسب - إذ وصفها بأنها "خطأ" - بل قربته أيضاً من شخصيات مثل حاكمة فرجينيا الديمقراطية أبيغيل سبانبرغر، التي خاضت حملتها على أساس إلزام مراكز البيانات بدفع حصتها العادلة من تكاليف الطاقة.

وتشكل تكساس وفرجينيا معاً بؤرة طفرة مراكز البيانات.

ضغوط سياسية تكبح مراكز البيانات

في حين يُستبعد إقرار الوقف الفيدرالي لمراكز البيانات الجديدة الذي اقترحه السيناتور بيرني ساندرز والنائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، فإن الاقتراح نفسه يشير إلى قطاع بات في موقف دفاعي سياسياً. ووقعت حاكمة نيويورك كاثي هوكول مؤخراً أول قرار على مستوى ولاية في البلاد لوقف إنشاء مراكز البيانات الكبيرة الجديدة، فيما بدأ حاكم بنسلفانيا جوش شابيرو، وهو ديمقراطي أيضاً، بالتراجع عن موقفه السابق القائم على "المراهنة بالكامل على الذكاء الاصطناعي". واقترح فيفيك راماسوامي، المرشح الجمهوري في سباق محتدم على منصب حاكم أوهايو، للتو أن يدفع مالكو مراكز البيانات الجديدة فواتير الكهرباء لجميع السكان في مناطقهم المحلية.

هناك اتجاه واضح للمسار هنا، ينقلنا من مجالات التنظيم المنطقي مثل استخدام المياه والطاقة، نحو تأخيرات وحظر شاملين. ويمثل ذلك مستوى جديداً من المخاطر بالنسبة إلى شركات التكنولوجيا، إلى جانب شركات المرافق وموردي معدات الطاقة، التي ركبت موجة من الحماس قائمة على افتراض أن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ستنتشر في كل مكان ولا يمكن إيقافها.

الأمريكيون يتوجسون من الذكاء الاصطناعي

عادة ما تجتذب التقنيات المزعزعة معارضة، لكن رد الفعل السلبي هذا لم يتسع جغرافياً فحسب، بل اتسع نطاقه أيضاً. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن أغلبية كبيرة من الأمريكيين، من الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، لا يعارضون مراكز البيانات في مناطقهم المحلية فحسب، بل لديهم موقف سلبي من الذكاء الاصطناعي بشكل عام. وهم لا يثقون في أن الشركات ستستخدم التكنولوجيا بمسؤولية، ويرى نحو 8 من كل 10 أن الذكاء الاصطناعي سيقلص عدد الوظائف خلال العقد المقبل. وإذا كان من الصعب إقناع الناس بفوائد استضافة منشأة كبيرة متعطشة للطاقة في جوارهم، فسيكون الأمر أصعب بكثير إذا كانوا يعتقدون أيضاً أن تلك المنشأة أشبه بمصنع كيميائي رقمي.

تكشف موجة الإجراءات الرامية إلى إبطاء تطوير مراكز البيانات كيف أساء مطوروها التعامل مع الأمور في البداية: فمن خلال إعطاء الأولوية للسرعة، أهملوا فن كسب القبول والدعم، وهو مسار بطيء بطبيعته. وتعد شبكة الكهرباء المثال الأبرز على ذلك. فقد أبرمت مراكز البيانات صفقات مكنتها فعلياً من الاستحواذ على قدرات قائمة في منظومة كهرباء مولتها الأسر إلى حد كبير.

الولايات تحمي المستهلكين من التكاليف

يمكن للأحمال الكبيرة مثل مراكز البيانات أن تساعد فعلياً على خفض فواتير الكهرباء، من خلال توزيع التكاليف الثابتة للشبكة على طلب أكبر على الكهرباء. لكن ذلك لا ينجح إلا إذا حُميت الأسر من التكاليف الأولية. والآن، أصبح مبدأ "وفّر قدرات التوليد الخاصة بك" (BYOG)، شرطاً أساسياً للسعي إلى الربط بالشبكة. وحتى يونيو، كانت 16 ولاية قد تبنت إجراءات لحماية دافعي فواتير الكهرباء من تكاليف الطاقة الخاصة بمراكز البيانات، وفقاً لكريديت سايتس (CreditSights).

وأسهم ذلك الاقتحام الأولي للشبكة في تسريع القفزة في الفواتير عبر شبكة "بي جيه إم" (PJM)، وهي الأكبر في أمريكا، وفي التداعيات السياسية المستمرة هناك. وبعدما تسبب المطورون في رفع الفواتير وإثارة الغضب، قوضوا الثقة أيضاً من خلال الاستخدام الواسع لاتفاقيات عدم الإفصاح مع المسؤولين المحليين، ما عزز الانطباعات بأن أباطرة التكنولوجيا المليارديرات يتحايلون على مصالح المجتمعات المحلية.

القبول السياسي يحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي

وشهدت الفترة الماضية موجة من الجهود اللاحقة لمعالجة ذلك. وكان "تعهد حماية دافعي فواتير الكهرباء" الذي طرحه ترمب لشركات التكنولوجيا لافتاً، لكنه، نظراً إلى كونه طوعياً، يشكل بدرجة أكبر مؤشراً على قلق البيت الأبيض. وكان التزام "مايكروسوفت" (Microsoft Corp) بإنهاء استخدام اتفاقيات عدم الإفصاح مع المسؤولين المحليين خطوة أفضل. أما "صندوق المستقبل للجميع" بقيمة مليار دولار، الذي أعلنت عنه شركة "ميتا بلاتفورمز" (Meta Platforms Inc) هذا الأسبوع ضمن "رؤية الذكاء الاصطناعي" للرئيس التنفيذي مارك زوكربيرغ، فيحمل اسماً متكلفاً، وتبدو قيمته ضئيلة بوضوح مقارنة بميزانية النفقات الرأسمالية للشركة لعام 2026، التي تتجاوز 130 مليار دولار.

وقد يُصنف النجاح في توحيد أمريكا الجمهورية والديمقراطية في شعورها بالقلق والعداء ضمن أول الإنجازات الكبرى للذكاء الاصطناعي. وتعني الاعتبارات الاقتصادية واعتبارات الأمن القومي أن الحظر التام للتكنولوجيا ليس خياراً. غير أن الحقبة التي اتسمت بالترحيب بالإعفاءات الضريبية، وترك المجال مفتوحاً على شبكة الكهرباء، والحماس المحلي أو اللامبالاة، تفسح المجال الآن أمام مسار أبطأ، إذ لم يعد العامل الحاسم للتقدم مقتصراً على الوصول إلى الرقائق أو وصلات الكهرباء، بل يشمل أيضاً القبول السياسي المباشر. والحصول على القبول المجتمعي أصعب من مجرد الحصول على التصاريح.

كاتب عمود في بلومبرغ يغطي الاقتصادات الآسيوية. وكان في السابق يشغل منصب المحرر التنفيذي لأخبار بلومبرغ للاقتصاد العالمي، وقاد فرقًا في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية.

خاص "الشرق بلومبرغ"

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية