بسام بن سليمان العبيد
في مقالنا الأخير عن حصاد 2025 ومن خلال المعطيات التي ذكرناها حينها اختتمنا المقال بنظرة إيجابية للأسواق المالية، وهو ما ترجمته حركتها خلال شهر يناير الجاري بأرقام وقمم قياسية، فمن حيث المعادن فقد ارتفعت أسعار الفضة خلال شهر بأكثر من 70% محققة رقما تاريخيا جديدا عند مستوى 120 دولارا، يليها الذهب الذي ارتفع خلال الفترة نفسها بارتفاع تجاوز 30% وبأكثر من 1300 دولار للأونصة حيث حقق هو الآخر رقما قياسيا عند 5600 دولار.
هذه الارتفاعات القياسية خلال أقل من شهر تعكس حالة الضبابية والتوترات الجيوسياسية التي تصب في مصلحة المعدنين بشكل خاص، وبرغم أن حالة عدم اليقين تؤثر سلبا في حركة الأسهم إلا أن تراجع الدولار بشكل حاد أسهم في دعم الأسواق بشكل كبير، حيث انخفض بنحو 4% وصولا لمستويات 95 التي لم يزرها منذ 4 سنوات وتحديدا منذ فبراير عام 2022، بسبب التوترات الاقتصادية بين الولايات المتحدة من جهة والمنطقة الأوروبية من جهة أخرى بسبب النزاع بين الطرفين حول استقلالية جزيرة "جرينلاند" ومحاولة الولايات المتحدة فرض سيطرتها على الجزيرة التي تعود ملكيتها لدولة أوروبية حليفة (الدنمارك).
ولكن هذه التوترات السياسية تأثيرها السلبي في الدولار قدم كثيرا من الدعم للمؤشرات الأمريكية التي حققت خلال يناير قمما تاريخية جديدة، فعلى صعيد مؤشر الإس آند بي 500 الذي يعد أكبر مؤشر في العالم فقد صعد خلال شهر بأكثر من 150 نقطة محققا بذلك قمة تاريخية جديدة أعلى من مستوى 7000 نقطة، بينما ارتفع مؤشر الداو جونز بأكثر من 1550 نقطة مقتربا من مستويات الخمسين ألف.
ولم تكن السوق السعودية بمنأى عن هذه الارتفاعات الكبيرة التي شهدتها الأسواق العالمية، فقد ارتفع "تاسي" المؤشر العام للسوق بنحو ألف نقطة خلال شهر فقط، حيث ارتد المؤشر العام من مستوى 10500 مقتربا من مستوى 11500 نقطة. لكن هذه الارتفاعات الجماعية والقمم التاريخية على صعيد المعادن كالذهب والفضة والمؤشرات الأمريكية تدق ناقوس الخطر، فمن الناحية الفنية يستوجب التسارع في الارتفاع خاصة على مستوى أسهم الشركات إلى مزيد من الحذر خلال فبراير وربما إلى ما بعده، حيث مثل هذه الأجواء من التفاؤل المفرط تكون بيئة مناسبة لبداية عمليات تصحيح أو مستويات جني أرباح واسعة النطاق، أما المعادن فاستمرار التوترات الجيوسياسية قد توجد من أي تراجعات لها (إن حدثت) فرصا لتعديل المراكز، حيث تبقى الحاجة للتهدئة وتأسيس مناطق دعم قوية لمواصلة الارتفاع بغاية الأهمية.
من جهة أخرى شهدت أسعار النفط بعضا من الانتعاش خلال الشهر الجاري بسبب تأثر عمليات الإمداد في بعض مصافي النفط في الولايات المتحدة جراء العواصف الثلجية التي أثرت في الإنتاج، حيث ارتفع النفط بنحو 8 دولارات للبرميل وبنسبة 13%.
وبمثل هذه الأجواء عادة الأسواق ترسل إشارات واضحة للاهتمام بعمليات التحوط من جهة، وبين متابعة ورصد أي إشارات فنية مبكرة تدل على موجات تصحيح مرتقبة، واتخاذ ما يلزم حينها، وكعادة الأسواق فعمليات جني الأرباح والتصحيح تمنح الأسواق المحافظة على زخمها الصاعد واستمرارها بالعطاء.
كاتب ومحلل اقتصادي
