في رأيي، ما يحدث اليوم في أسواق الطاقة ليس مجرد ارتفاع عابر في الأسعار، بل إعادة تسعير شاملة للمخاطر الجيوسياسية. خام برنت يتحرك في نطاق يتجاوز 112 – 116 دولارا للبرميل، بعد أن اقترب من 120 دولارا، مسجلًا قفزات تقارب 50–60% خلال فترة قصيرة، وهي من أسرع الارتفاعات منذ سنوات.
هذه القفزة لا تعكس زيادة في الطلب، بل تعكس حالة قلق حاد في السوق من احتمال انقطاع الإمدادات، وهو ما يدفع المتعاملين لتسعير أسوأ السيناريوهات قبل حدوثها. السوق اليوم لا تسعّر الواقع الفعلي بقدر ما تسعّر احتمالات التعطّل، وهذا ما يفسر هذه الحساسية المفرطة لأي تطور سياسي أو عسكري.
جوهر القصة يكمن في مضيق هرمز، الذي يمثل عنق الزجاجة الحقيقي للطاقة العالمية. هذا الممر يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، إضافة إلى قرابة 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، ما يجعله أحد أهم الشرايين الحيوية في الاقتصاد العالمي. أي اضطراب فيه لا يعني مجرد تأخير في الشحن، بل خلل مباشر في توازن العرض والطلب.
التقديرات تشير إلى أن ما يصل إلى 12 مليون برميل يوميًا معرضة للتعطل في حال تصاعد الأزمة، وهو رقم لا يمكن تعويضه بسهولة عبر البدائل، حتى مع وجود خطوط أنابيب في السعودية والإمارات.
هذه البدائل توفر جزءًا من الحل، لكنها لا تستطيع استيعاب كامل التدفقات، ما يضع السوق في حالة اختناق لوجستي حقيقي. التأثير امتد أيضًا إلى الغاز، حيث شهدت الأسعار في أوروبا ارتفاعات حادة وصلت إلى 50–70% خلال أسابيع، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ما يعكس حجم الضغط على سلاسل الإمداد العالمية. المشكلة اليوم ليست في نقص الإنتاج، بل في صعوبة إيصال الطاقة إلى الأسواق.
في هذا السياق، تحاول الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترمب إدارة ليس فقط الأزمة السياسية، بل أيضًا سلوك الأسواق. في تقديري، هناك منهج واضح يعتمد على عامل التوقيت وعامل الرسائل.
أولًا، يتم اختيار توقيت التصعيد بعناية، وغالبًا ما يكون ذلك قبيل إغلاق الأسواق أو خلال العطلات الأسبوعية، بهدف تقليل ردود الفعل الفورية ومنح صناع القرار مساحة لاحتواء الموقف. هذا الأسلوب يهدف إلى تفادي قفزات سعرية حادة أو موجات هلع قد تخرج عن السيطرة.
ثانيًا، تستمر التصريحات التطمينية بشكل يومي، خاصة فيما يتعلق بأسواق الطاقة، في محاولة لتهدئة المضاربين وتقليص علاوة المخاطر التي تُضاف إلى الأسعار. هذه الرسائل تستهدف بشكل مباشر أسواق العقود الآجلة للنفط، حيث تلعب التوقعات دورًا أكبر من الواقع الفعلي. لكن في المقابل، أصبحت السوق أكثر تشككًا، حيث لم تعد التصريحات وحدها كافية لاحتواء القلق، خصوصًا مع استمرار التوترات الميدانية.
كما ذكرت في المقال السابق، الأسعار اليوم تقف عند مفترق طرق حقيقي، وهي بانتظار اتجاه الصراع إما نحو التهدئة أو التصعيد. في حال عودة الاستقرار وفتح مسارات الإمداد بشكل طبيعي، قد نشهد تراجعًا تدريجيًا للأسعار إلى ما دون 100 دولار، ولو بشكل مؤقت.
أما في حال استمرار التصعيد أو توسعه، فإن السوق مهيأة لاختبار مستويات قد تصل إلى 140 – 150 دولارا للبرميل وربما أعلى. في رأيي، المعادلة أصبحت واضحة: ليست عين على ترمب فقط، بل عين على هرمز، لأنه العامل الحاسم الذي سيحدد المسار الحقيقي للأسعار في المرحلة المقبلة.
مختص في شؤون الطاقة
