عاد النفط الفنزويلي إلى واجهة الاهتمام العالمي بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في 28 أغسطس اتفاقًا مع فنزويلا، يمنح الولايات المتحدة نفوذًا واسعًا على مصالح مرتبطة بأكثر من 65 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة موزعة على 17 حقلًا.
ورغم من اختلاف الرواية الفنزويلية عن الاتفاق، حيث أكدت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز احتفاظ فنزويلا بسيادتها وملكيتها لمواردها الطبيعية، فيما قالت إن المشروع الثنائي يمتد 25 عامًا ويستهدف تطوير الحقول وزيادة إنتاجها، فإن الاتفاق في نهاية المطاف يعيد النفط الفنزويلي إلى واجهة أسواق الطاقة والاستثمار، جاذبًا شركات النفط والطاقة الدولية للاستثمار في حقول البلاد وتطويرها.
وفي مقدمتها شيفرون، التي أعلنت في 2 سبتمبر استثمار أكثر من 7 مليارات دولار خلال 5 أعوام، بهدف رفع إنتاج عملياتها في فنزويلا إلى نحو 600 ألف برميل يوميًا، أي أكثر من ضعف مستوى إنتاجها في 2026، إلى جانب اتفاقات وتحركات استثمارية لشركات أخرى، من بينها إيني، وجيوبارك، وأو إن جي سي.
تطور الإنتاج
رغم ضخامة الاستثمارات المعلنة، لا تزال الفجوة كبيرة بين مستوى الإنتاج الحالي ومستويات فنزويلا التاريخية. فالإنتاج الحالي يقدر بنحو 1.25 مليون برميل يوميًا، مقارنة بأكثر من 3 ملايين برميل يوميًا في أواخر التسعينيات، ما يعني أن استعادة ذلك المستوى تتطلب إضافة نحو 1.75 مليون برميل يوميًا.
وفي المقابل، تشير تقديرات ريستاد إنرجي إلى زيادة بنحو 194 ألف برميل يوميًا بحلول نهاية 2028 مقارنة بمستويات أواخر 2025، وهو مقدار محدود مقارنة بالزيادة المطلوبة للعودة إلى مستوى 3 ملايين برميل يوميًا.
وتأتي معظم هذه الزيادة من الأصول المنتجة حاليًا، مع اعتماد كبير على الخامات الثقيلة وفائقة الثقل. ويتطلب رفع إنتاج هذه الأصول إعادة تأهيل الآبار، وحفر آبار إضافية، وتوفير المخففات اللازمة لإنتاج الخام فائق الثقل، إلى جانب رفع قدرة مرافق المعالجة والنقل. كما يخصص جزء من نشاط الحفر وإعادة تأهيل الآبار لتعويض الانخفاض الطبيعي في إنتاج الحقول القائمة قبل أن تنعكس بقية الإضافات على نمو الإنتاج الفعلي.
وهذا يضع استعادة الإنتاج الفنزويلي ضمن برنامج تطوير رأسمالي وتشغيلي يمتد لعدة أعوام، ويتطلب استثمارات كبيرة ومستمرة حتى تتحول خطط التوسع إلى طاقة إنتاجية إضافية يمكن المحافظة عليها.
اقتصاديات الإنتاج
تتفاوت اقتصاديات إنتاج النفط الفنزويلي بين استعادة الإنتاج من الأصول القائمة وتطوير مشاريع جديدة. ففي الحقول التي تتوافر فيها الآبار وخطوط الأنابيب ومرافق المعالجة، يتركز الإنفاق على إعادة التأهيل والحفر الإضافي ورفع كفاءة المرافق، بينما تتطلب المشاريع الجديدة استثمارات رأسمالية أكبر في الحفر والمنشآت السطحية والمعالجة والنقل حتى يبدأ الإنتاج ويصل إلى الأسواق.
وتظهر هذه الفروقات في تقديرات التكلفة والتعادل. فشيفرون تتوقع أن تبقى تكاليف عملياتها الموسعة في فنزويلا دون 20 دولارًا للبرميل، مستفيدة من البنية التحتية القائمة، فيما تقدر ريستاد إنرجي اقتصاديات جزء من قاعدة الإنتاج الحالية بنحو 30 إلى 40 دولارًا للبرميل. وفي المشاريع الجديدة للخام الثقيل، تقدر وود ماكنزي أن بعض المشاريع الرئيسة تحتاج إلى سعر لبرنت يقارب 80 دولارًا للبرميل لتحقيق التعادل وفق شروطها المالية ومتطلبات العائد.
ويؤثر هذا التفاوت في قرارات الاستثمار. فعند أسعار بين 50 و60 دولارًا للبرميل، تكون الأصول القائمة ذات التكلفة المنخفضة أكثر قدرة على تحقيق عائد اقتصادي، بينما تضيق جدوى المشاريع التي تحتاج إلى برنت قرب 80 دولارًا. وعند مستويات أعلى تتحسن اقتصاديات هذه المشاريع، مع أهمية استمرار الأسعار عند مستويات داعمة خلال عمر المشروع وليس لفترة قصيرة.
وتزداد متطلبات العائد مع ارتفاع المخاطر السياسية والتنظيمية والاستثمارية. وتشير تقديرات ريستاد إنرجي إلى أن بعض المشاريع اللازمة للوصول إلى مستويات إنتاج أعلى قد تحتاج إلى أسعار تقترب من 100 دولار للبرميل عند احتساب عائد أعلى مقابل هذه المخاطر. وبالتالي تحدد تكلفة رأس المال والعائد المطلوب، إلى جانب الجدوى الفنية، توقيت تطوير الحقول وسرعة إضافة إنتاجها إلى السوق.
وجهة الصادرات والمنافسة في سوق الخام الثقيل
في حال نجحت الاستثمارات الحالية في رفع الإنتاج الفنزويلي خلال الأعوام المقبلة، فستحدد وجهة الإمدادات الإضافية جانبًا مهمًا من أثرها في السوق. وتشير حركة الصادرات خلال 2026 إلى أن الولايات المتحدة أصبحت الوجهة الرئيسية للخام الفنزويلي؛ فحتى أواخر أغسطس، اتجه إليها نحو 520 ألف برميل يوميًا من إجمالي صادرات بلغ نحو 1.1 مليون برميل يوميًا، أي ما يقارب النصف. وجاء هذا التحول مع اتساع القنوات المتاحة لتسويق النفط الفنزويلي في الولايات المتحدة، فيما توقفت الشحنات المباشرة إلى الصين منذ ديسمبر 2025 بعد أن كانت أكبر مشترٍ منفرد له.
ومع زيادة الإنتاج، يمكن أن تستقبل السوق الأمريكية جزءًا أكبر من الخام الفنزويلي، خصوصًا أن مصافي ساحل الخليج قادرة على معالجة خاماته الثقيلة. وهذا يزيد المنافسة مع الخامات الثقيلة الأخرى المباعة لهذه المصافي، وفي مقدمتها الخام الكندي. وتعتمد حصة كل خام على سعره وخصائصه وتكلفة نقله ومعالجته، ما يمنح المصافي خيارات أوسع عند الشراء، وقد يدفع جزءًا من الخامات المنافسة إلى أسواق أخرى.
وفي آسيا يحدث التحول في الاتجاه المقابل، إذ يدفع تراجع الإمدادات الفنزويلية إلى الصين المشترين هناك إلى البحث عن مصادر بديلة للخام الثقيل. وبذلك يمكن أن يؤدي تعافي الإنتاج الفنزويلي إلى تغير حركة تجارة الخام الثقيل بين الأسواق، مع زيادة المنافسة في الولايات المتحدة والطلب على مصادر بديلة في آسيا.
أما الأثر في الأسعار، فالزيادة التي تقدرها ريستاد إنرجي بنحو 194 ألف برميل يوميًا حتى نهاية 2028 تظل محدودة مقارنة بحجم سوق النفط العالمية. لكن أثرها يكون أكبر في سوق الخام الثقيل، حيث تتركز المنافسة بين عدد أقل من الخامات والمصافي القادرة على معالجتها. لذلك يرجح أن يظهر أثر تعافي الإنتاج الفنزويلي بصورة أوضح في فروقات أسعار الخامات الثقيلة وتوزيعها بين الأسواق، أكثر من ظهوره في سعر برنت.
تعافي قطاع النفط الفنزويلي سيكون مسارًا طويلًا يتطلب تدفقات رأسمالية كبيرة واستثمارات مستمرة. وتشير التقديرات الحالية إلى نمو تدريجي في الإنتاج، ما يبقي أثر فنزويلا في إجمالي المعروض العالمي محدودًا في المدى القريب، وأكثر وضوحًا في سوق الخام الثقيل وتدفقاتها وأسعارها. وستحدد قدرة القطاع على استمرار الاستثمار والتنفيذ مدى تحوله من عودة استثمارية إلى تعافٍ مستدام في الإنتاج.
مهندسة بترول وباحثة في اقتصاديات الطاقة
