الثلاثاء, 1 سبتمبر 2026|18 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

عائدات السندات الأمريكية لأجل 30 عاماً تجاوزت 5% الأسبوع الماضي، مسجلة أعلى مستويات منذ الأزمة المالية العالمية. تجاوز الدين العام الأمريكي 40 تريليون دولار. السوق تشهد تحولاً من فائض الطلب إلى فائض المعروض، مع توقع ارتفاع مستدام في أسعار الفائدة وعودة المعدل الطبيعي بعد انتهاء حقبة الفائدة الصفرية.

اخترقت عائدات السندات الأمريكية لأجل 30 عاماً حاجز 5% الأسبوع الماضي، مُسجلةً مستويات لم تبلغها منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية. اشترت وزارة الخزانة سندات في محاولة لخفض العوائد. ونجحت المحاولة ليوم واحد، قبل أن تعاود عوائد السندات الارتفاع. وفي تطور وثيق الصلة، تجاوز الدين العام الأمريكي للتو حاجز 40 تريليون دولار. وانتظر المتشائمون بشأن السندات، وأنا واحدة منهم، هذه اللحظة منذ نحو 15 عاماً. لكننا لم نثبت صحة موقفنا بعد. قد تنخفض العوائد مجدداً، لكن من المستبعد أن تعود بيئة الفائدة المنخفضة التي سادت في العقد الثاني من الألفية. ونحن ربما مقبلون على فترة مضطربة، تصبح فيها عوائد الديون طويلة الأجل أعلى بما يظهر علاوة الأجل. 

التحول من فائض الطلب إلى فائض المعروض

في ما يلي ثلاثة أمور تعلمتها عن سوق السندات تساعدني في التعامل مع هذه الحالة من عدم اليقين. إذا كان العقد الثاني قد شهد فائضاً في الطلب على السندات، فإن ما تبقى من عقد العشرينيات سيشهد فائضاً في المعروض منها. في العقد الثاني من الألفية، كانت هناك كميات هائلة من الأموال تبحث عن ملاذ آمن تستقر فيه، إذ كانت الحكومات الأجنبية ترغب في إدارة عملاتها. كانت البنوك بحاجة إلى السندات لأسباب تتعلق بالمتطلبات التنظيمية. كما أرادت صناديق التقاعد الأجنبية خفض تعرضها للمخاطر. لكن المعروض من السندات كان محدوداً. كانت سندات الخزانة الأمريكية أكبر الأسواق وأكثرها سيولة، وكان الطلب عليها يكاد يكون بلا حدود. 

لكن هذا الوضع يتغير الآن. صناديق التقاعد أصبحت تحتفظ بحصة أكبر من الأسهم، إلى جانب الأصول الخاصة (استثمارات لا تُتداول في الأسواق العامة مثل البورصات). يعني تراجع العولمة أن الدول لم تعد بحاجة بالقدر نفسه إلى إدارة عملاتها من خلال حيازة أصول أجنبية. لا يزال المستثمرون الأجانب يشترون السندات الأمريكية حالياً، لكن الطلب يظل متقلباً لكونهم أكثر انجذاباً لارتفاع العوائد لا إلى عامل الأمان. في غضون ذلك، يواصل المعروض العالمي من السندات النمو. تواجه أغلب الدول أعباء ديون متزايدة مع شيخوخة مجتمعاتها وارتفاع إنفاقها الاجتماعي. 

العودة للمعدل الطبيعي وارتفاع الفائدة

كما تزايدت ديون الشركات ذات التصنيف الاستثماري في الأسواق العامة والخاصة. وتؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى زيادة المعروض وتراجع الطلب. قد لا يفضي ذلك إلى أزمة ديون سيادية طاحنة، أو حتى استنفار "حراس السندات" ضد الديون غير المستدامة، لكنه ينذر بارتفاع مستدام في أسعار الفائدة. ليست هذه عودةً إلى "طبيعة جديدة" بل إلى المعدل الطبيعي ببساطة. من أولى الحقائق التي تعلمتها عن السندات طويلة الأجل أنها، بخلاف الأسهم، تميل للعودة دائماً إلى متوسطها التاريخي. 

لا يمكن لأسعار السندات أن تواصل الارتفاع إلى ما لا نهاية، إذ سينطوي ذلك حتماً على عوائد سالبة. تميل عوائد السندات إلى التذبذب صعوداً وهبوطاً حول متوسطها على المدى الطويل. وقد يتغير هذا المتوسط بمرور الوقت؛ فقد انخفض تدريجياً منذ العصور الوسطى مع تحوّل العالم إلى مكان أقل خطورة. لكن لا يمكنه الانخفاض إلا إلى حد معين. وتعكس عوائد السندات طويلة الأجل في العادة الطبيعة البشرية، فهي تعوّضنا عن تقديرنا للحاضر أكثر من المستقبل، وعن حالة عدم اليقين التي تكتنف الأيام القادمة. وهذه الثوابت لا تتغير أبداً. مع ذلك، قد تنحرف العوائد عن متوسطها على المدى الطويل لعقود في بعض الأحيان. لكنها تعود في نهاية المطاف إلى متوسطها.

انتهاء حقبة أسعار الفائدة الصفرية

لم تكن بيئة أسعار الفائدة القريبة من الصفر "الوضع الطبيعي الجديد" قط؛ بل كانت استثناءً مؤقتاً من المسار التاريخي. وربما انتهى هذا الاستثناء الآن بالنسبة إلى سوق السندات بأكملها، وليس سندات الخزانة الأمريكية وحدها. إن محاولة التحكم في منحنى العائد مكلفة، ومصيرها الفشل في نهاية المطاف. الشائع أنه لا يمكن تحدي الاحتياطي الفيدرالي، لكن الواجب يقضي أيضاً بالقول إنه لا يمكن التحكم في عوائد السندات طويلة الأجل. 

يمكن للسياسة النقدية تحديد أسعار الفائدة قصيرة الأجل، لكنها لا تتحكم في أسعار الفائدة طويلة الأجل. وللسياسة النقدية دور نسبي، فقد يعود جانب من الارتفاع الحالي إلى افتقار رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد إلى الشفافية، أو ربما لأن الفيدرالي يتخلى عن مستهدف التضخم. لكن بغض النظر عما يفعله الاحتياطي الفيدرالي أو يقوله، فإن الأسواق هي التي تحدد في العادة عوائد السندات طويلة الأجل. ويمكن للحكومة أو البنك المركزي السعي لإبقاء أسعار الفائدة منخفضة إما عبر شراء السندات ذاتياً، أو عبر إجبار البنوك وصناديق التقاعد على شرائها أو الاستثمار فيها. لكن ظروف السوق ستفرض كلمتها في النهاية. 

تكلفة الكبت المالي والدرس الياباني

كما أن "الكبت المالي" ينطوي على تكلفة باهظة؛ وتجربة اليابان مثال تحذيري على ذلك. فقد حاولت الحكومة اليابانية على مدى عقود إبقاء أسعار الفائدة طويلة الأجل عند مستويات محددة، وكانت النتيجة نمواً ضعيفاً وتشوهات في الأسواق المالية. الآن، مع عودة التضخم إلى اليابان، يتعين على بنكها المركزي الاختيار بين رفع أسعار الفائدة أو السماح باستمرار التضخم، فيما يواجه صعوبة في الدفاع عن الين. الدرس المستفاد هو أنه إذا أرادت حكومة ما إبقاء أسعار الفائدة طويلة الأجل منخفضة، فليس أمامها في الواقع سوى خيار واحد: خفض الديون. هذه حقيقة تم نسيانها، بل وإنكارها أحياناً، خلال العقدين الماضيين.

كما أن عودة أسعار الفائدة إلى مستويات أعلى ستكون لها تداعيات كبيرة على الأسر. وعلى الجانب الإيجابي، يمكن للأفراد توقع عوائد أعلى على مدخراتهم ورسوم أقل على المعاشات التقاعدية. 

في بعض الأحيان، قد تعكس أسعار الفائدة المرتفعة فرصاً استثمارية واعدة أو احتمال تحقيق نمو أسرع. لكنها في المقابل ترفع تكلفة الاقتراض. ربما يصبح معدل فائدة الرهن العقاري البالغ 6% هو الوضع الطبيعي الجديد. في المقابل، ستضيق خيارات الحكومات المالية بشكل ملحوظ.

فوائد الديون في مصروفات الخزانة الأمريكية

تشكل فوائد الديون بالفعل ثالث أكبر بند من المصروفات في الموازنة الفيدرالية الأمريكية. ستلتهم هذه الفوائد حصة أكبر من الموازنة إذا بقيت الفائدة مرتفعة، وهو ما قد يجبر الحكومة على تقليص إنفاقها. كما أن بقاء أسعار الفائدة مرتفعة قد يُحدث هزات أو اضطرابات في أداء القطاع الخاص. فارتفاع العوائد يؤدي إلى هبوط أسعار الأسهم ويرفع تكلفة الاقتراض. وقد اقترضت شركات كثيرة بتكلفة منخفضة قبل الجائحة، وحان الآن موعد استحقاق ديونها.

ستضطر هذه الشركات إلى إعادة تمويل ديونها بأسعار فائدة أعلى، وقد تعجز بعض الشركات عن الاستمرار وتفلس. مع ذلك، ورغم أن التكيف مع العودة إلى الأوضاع الطبيعية قد يكون صعباً، فإنه لن يكون بالضرورة كارثياً. التاريخ شهد فترات سابقة اتسمت بأسعار فائدة مرتفعة، ومع ذلك استمر الاقتصاد في أداء دوره بل وواصل نموه.

تسعير المخاطر نحو واقع أكثر استقراراً

عوائد السندات هي التي تضع معيار تسعير المخاطر في جميع قطاعات الاقتصاد. مستويات الفائدة بالغة الانخفاض التي سادت في عشرينيات القرن الحادي والعشرين لم تكن واقعية بأي حال. وقد تؤدي عودة عوائد السندات طويلة الأجل إلى مستويات أكثر طبيعية إلى إحداث بعض الهزات، فضلاً عن فرض مواجهة مالية حتمية. لكن الولايات المتحدة والعالم قد يصلان في نهاية المطاف إلى وضع أكثر واقعية.

كاتبة عمود في بلومبرغ أوبينيون. وزميلة بارزة في معهد مانهاتن


خاص بـ"الشرق بلومبرغ"

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية