تخيّل أن تفوّض شركة نظامًا للذكاء الاصطناعي بشراء احتياجاتها من موردين محددين، وفق ميزانية وشروط متفق عليها. يبحث النظام عن العروض، ويقارن الأسعار، ويتفاوض، ثم ينفذ عملية الشراء والدفع دون تدخل بشري مباشر. لكن ماذا لو اختار موردًا غير معتمد، أو اشترى كمية لم تكن مطلوبة، أو أتم معاملة بناءً على معلومات مضللة؟ هل تلتزم الشركة بالعقد لأنها فوّضت النظام؟ أم يتحمل مزوّد التقنية المسؤولية عن قراره؟ وماذا عن البائع الذي تسلّم طلبًا يبدو صحيحًا؟
لم تعد هذه الأسئلة بعيدة عن واقع الأسواق. ففي خطاب ألقاه كريستوفر والر، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، في 29 سبتمبر 2026، تناول التحول نحو ما يُعرف بالتجارة القائمة على وكلاء الذكاء الاصطناعي، حيث تنتقل التقنية من مساعدة المستهلك في البحث والمقارنة إلى تنفيذ المشتريات والمدفوعات نيابة عنه. وحدد 3 تحديات رئيسية أمام انتشار هذا النموذج: المصادقة على التفويض، وتحديد المسؤولية، ومكافحة الاحتيال.
تكمن الأهمية الاقتصادية لهذا التحول في أنه قد يعيد تشكيل الطريقة التي تتم بها المعاملات التجارية. فبدلًا من سلسلة قرارات بشرية تبدأ بالبحث وتنتهي بالدفع، يمكن لنظام واحد تنفيذ مراحل متعددة خلال وقت قصير. وقد تستفيد الشركات خصوصًا من أتمتة المشتريات المتكررة، ومقارنة الموردين، وإدارة المدفوعات وتحسين استخدام رأس المال العامل. لكن تقليص الوقت والتكلفة لا يعني بالضرورة انخفاض المخاطر؛ فقد تنتقل هذه المخاطر من مرحلة تنفيذ المعاملة إلى مرحلة تحديد الصلاحيات والتحقق من الالتزام بها.
وهنا تظهر إشكالية قانونية أساسية. فالأنظمة التجارية اعتادت التعامل مع العقود بوصفها تعبيرًا عن إرادة أطرافها، سواء صدرت هذه الإرادة مباشرة أو من خلال من يملك صلاحية التصرف نيابة عنها. أما في التجارة المؤتمتة، فقد يتخذ النظام قرارات لم يحددها المستخدم تفصيلًا عند منحه التفويض. والسؤال ليس ما إذا كانت الآلة تمتلك إرادة قانونية مستقلة، بل متى يمكن إسناد تصرفاتها إلى الشخص أو المنشأة التي تستخدمها، وما حدود هذا الإسناد.
ولنأخذ مثالًا آخر: إذا سمح المستهلك لوكيل ذكي بشراء تذكرة سفر ضمن ميزانية محددة، فاختار النظام تذكرة غير قابلة للاسترداد، رغم وجود بدائل أكثر ملاءمة، فقد نكون أمام قرار تجاري غير موفق، وليس بالضرورة معاملة غير مصرح بها. أما إذا تجاوز النظام سقف الإنفاق أو نفذ عملية لم يأذن بها المستخدم أصلًا، فإن طبيعة النزاع تختلف. وفي حالة ثالثة، قد تكون العملية نتيجة تلاعب خارجي ببيانات النظام أو تعليماته.
هذه الحالات لا ينبغي أن تخضع تلقائيًا للتقييم القانوني نفسه، لأن مصدر الخطأ وطبيعة التفويض ودور كل طرف تختلف من حالة إلى أخرى.
وقد أدركت الجهود الدولية أهمية هذه المسألة. ففي عام 2024، اعتمدت لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي «الأونسيترال» قانونًا نموذجيًا بشأن التعاقد المؤتمت، يتناول الاعتراف القانوني بالمعاملات التي تنفذها الأنظمة الآلية وإسناد التصرفات الناتجة عنها. كما يتضمن حكمًا اختياريًا بشأن بعض النتائج غير المتوقعة. ورغم أن هذا القانون النموذجي لا يفرض التزامات موحدة على الدول ما لم تعتمد أحكامه، فإنه يعكس اتجاهًا مهمًا نحو معالجة آثار الأتمتة من داخل قواعد التعاقد، بدل افتراض أن غياب التدخل البشري المباشر يجعل المعاملة بلا أثر قانوني.
لكن الاعتراف بصحة التعاقد المؤتمت لا يحسم وحده مسألة من يتحمل الخسارة. فقد تنشأ مسؤوليات مختلفة على المستخدم الذي منح التفويض، أو الشركة المطورة للنظام، أو المنصة التي تدير المعاملة، أو مقدم خدمة الدفع، أو الطرف التجاري المقابل. ويتوقف ذلك على القانون الواجب التطبيق، والالتزامات التعاقدية، وطبيعة الخطأ، ومدى إمكانية توقعه أو منعه. كما أن الاعتراض على عملية دفع لا يعني بالضرورة زوال الالتزامات الناشئة عن عقد الشراء نفسه.
اقتصاديًا، قد تصبح هذه المسألة حاسمة لمستقبل التجارة المؤتمتة. فالتاجر الذي لا يستطيع التحقق من صلاحية الوكيل الذكي قد يتردد في قبول معاملاته، والمؤسسة المالية التي لا تستطيع التمييز بين التفويض الصحيح والمعاملة الاحتيالية ستتحمل تكاليف أعلى للتحقق وإدارة النزاعات. وقد تنتقل وفورات الأتمتة المتوقعة إلى نفقات جديدة تتعلق بالامتثال والتأمين والمراقبة وتسوية الخلافات. وبذلك تصبح الثقة عنصرًا مؤثرًا في تكلفة المعاملة وفي قدرة هذا النموذج التجاري على التوسع.
لهذا، لا يكفي منح الوكيل الذكي تعليمات عامة ثم محاولة تحديد المسؤولية بعد وقوع الضرر. الأجدى هو بناء ضوابط تسبق المعاملة نفسها، تشمل تحديد حدود الإنفاق، والموردين المسموح بالتعامل معهم، والعمليات التي تستوجب موافقة بشرية إضافية، إلى جانب توثيق التفويض ومسار اتخاذ القرار. والأهم أن تكون هذه الحدود قابلة للتحقق والتنفيذ داخل أنظمة الدفع والتجارة، لا مجرد تعليمات نصية قد يفسرها النظام بصورة مختلفة.
كما تبرز الحاجة إلى معايير تقنية وقانونية مشتركة تسمح للتجار ومقدمي خدمات الدفع ومنصات الذكاء الاصطناعي بفهم هوية الطرف الذي ينفذ المعاملة، ونطاق صلاحياته، وكيفية إثبات الموافقة والتعامل مع الأخطاء. فغياب هذه المعايير قد يدفع الشركات إلى بناء أنظمة مغلقة يصعب التعامل بينها، ما يزيد تكاليف الدخول إلى الأسواق ويعزز نفوذ المنصات الكبرى على حساب المنافسين الأصغر.
إن التحول نحو التجارة القائمة على وكلاء الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على استبدال الإنسان بنظام أسرع في تنفيذ المشتريات. إنه تحول في كيفية التعبير عن القرارات التجارية وإثباتها وتوزيع مخاطرها. وقد تستطيع التقنية تنفيذ آلاف المعاملات في وقت قصير، لكن سرعة التنفيذ لا تعالج وحدها سؤال المسؤولية عندما تقع الأخطاء.
والتحدي الحقيقي ليس في جعل الذكاء الاصطناعي قادرًا على الشراء، بل في بناء سوق يمكن فيها الوثوق بالمعاملة ومعرفة من يتحمل نتائجها. فإذا كانت الأتمتة تخفض تكلفة اتخاذ القرار وتنفيذه، فإن وضوح المسؤولية هو ما يمنع تحول هذه الوفورات إلى نزاعات وخسائر جديدة.
مستشارة في الشؤون الدولية والإستراتيجيات العالمية
