الأحد, 20 سبتمبر 2026|7 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية


ثامر بن فهد السعيد

بعض الأرقام في الأسواق تمر سريعاً، وأخرى تعيد فتح ملفات اعتقد المستثمرون أنها أغلقت منذ سنوات. هذا الأسبوع تجاوز عائد سندات الخزانة الأمريكية لـ10 سنوات 5%، مسجلاً أعلى مستوى منذ صيف 2007، أي قبل الأزمة المالية العالمية. لكن أهمية الرقم لا تكمن في عودة المستويات العالية، بل في أن أحد أهم الأسعار المرجعية لرأس المال العالمي قد تغير للأعلى كلفه.

وهنا يجب التفريق بين سعر الفائدة الذي يحدده الاحتياطي الفيدرالي، والعائد الذي يطلبه المستثمر لإقراض الحكومة لعشر سنوات. الأول قرار نقدي قصير الأجل، أما الثاني فتشكله توقعات التضخم والنمو والفائدة المستقبلية، وحجم الدين وإصداراته، إضافة إلى علاوة الأجل، أي التعويض الذي يطلبه المستثمر مقابل تجميد أمواله لسنوات. لذلك فإن وصول العائد إلى 5% يحمل رسالة أوسع من مجرد تشديد السياسة النقدية.

الأهمية الحقيقية تبدأ عندما يصبح هذا العائد نقطة الأساس لتقييم بقية الأصول. فالمستثمر في سندات الشركات يريد علاوة ائتمانية فوقه، والمستثمر في الائتمان الخاص يبحث عن تعويضا إضافيا عن السيولة والمخاطر، والمستثمر في الأسهم أو الملكية الخاصة يريد عائدا أعلى مقابل التقلب وعدم اليقين. وعندما ترتفع نقطة البداية، لا تتغير جاذبية السندات وحدها، بل يرتفع العائد المطلوب من كل دولار يوضع في أصل آخر.

وهذا يقود إلى الاختبار الأصعب للشركات. فالربح المحاسبي وحده لا يكفي، المهم أن يكون العائد على رأس المال المستثمر أعلى من تكلفة رأس المال فالمشروع الذي  كان مجدياً عندما كانت تكلفة التمويل منخفضة قد يصبح أقل جاذبية دون أن تتغير إيراداته، فقط لأن معدل الخصم ارتفع. وإذا أصبحت تكلفة رأس المال أعلى من العائد الذي يولده الاستثمار، فقد تنمو الأرباح بينما تتآكل القيمة الاقتصادية.

في المشهد هناك منافس ضخم على رأس المال المتوفر، الحكومات نفسها تتوقع وزارة الخزانة الأمريكية اقتراض 739 مليار دولار من الأسواق خلال الربع الثالث، ثم 628 ملياراً في الرابع؛ أي نحو 1.37 تريليون دولار خلال نصف عام فقط.

هذه الأموال تتنافس عليها في الوقت نفسه شركات التقنية والعقار والمصانع وصناديق الاستحواذ. وعندما تعرض الحكومة عائداً يتجاوز 5%، يصبح على المقترض الخاص أن يقدم عائداً أعلى لإقناع المستثمر بتحمل مخاطر إضافية. هنا تظهر المزاحمة ليس باختفاء رأس المال، بل بارتفاع سعر الحصول عليه ولا شك أنه نموذج يحاكي كل اتجاهات الاقتراض الحكومي مع رفع الفائدة والحاجه للنقد.

لكن الأهم أن 5% وحدها لا تجعل السندات تلقائياً استثماراً أفضل. فإذا كان ارتفاع العائد يعكس تضخماً أكثر رسوخاً، أو عجزاً مالياً أكبر، أو علاوة أجل مرتفعة، فإن المستثمر في السند الطويل يظل معرضاً لانخفاض السعر إذا واصلت العوائد الصعود. حتى الأصل الذي يوصف بأنه خالٍ من المخاطر ليس خالياً من مخاطر المدة والتضخم.

والأثر ينتقل بعدها من شاشات التداول إلى الاقتصاد الحقيقي؛ إلى الرهن العقاري وتمويل المصانع والاستحواذ وقرارات التوسع. كما يعيد اختبار التقييمات التي بنيت خلال سنوات المال الرخيص، خصوصاً للأصول التي تعتمد قيمتها على أرباح بعيدة في المستقبل.

لذلك فقصة 5% ليست أن السندات أصبحت منافساً للأسهم، بل أن سعر رأس المال نفسه تغير. في سنوات الفائدة المنخفضة كان رأس المال يبحث عن أصل يمنحه عائداً، أما اليوم فالأصول نفسها أصبحت مطالبة بإقناع رأس المال بأنها تستحق المخاطرة.

الرئيس التنفيذي للاستثمار BLME

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية