العالم لا يعاني نقصا في الطاقة، بل هشاشة في طرق وصولها إلى الأسواق. هذه هي الحقيقة التي يكشفها مضيق هرمز اليوم. المشكلة لم تعد في حجم الإنتاج، بل في قدرة هذا الإنتاج على العبور إلى الأسواق. ما يحدث ليس توتراً عابراً، بل إعادة تسعير للجغرافيا نفسها، لتتحول من إطار ثابت إلى تكلفة تدخل في كل برميل نفط وكل شحنة غاز.
نحو 85% من التجارة العالمية تمر عبر البحر، ما يجعل أي اضطراب في نقاط العبور قادراً على إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية. لذلك لا تبدو أزمة مضيق هرمز حدثاً منفصلاً، بل تكشف طبيعة نظام تجاري عالمي يعتمد على عدد محدود من الممرات الإستراتيجية. هذه الممرات تختصر المسافات وتخفض التكاليف في أوقات الاستقرار، لكنها تتحول سريعاً إلى نقاط اختناق عند أي توتر.
مضيق هرمز حالة مختلفة. ليس لأنه الأكثر ازدحاماً، بل لأنه ممر بلا بديل بحري فعلي. التعطل هنا لا يعني تأخير الشحنات فقط، بل اختناقاً مباشراً في تدفق الطاقة، خصوصاً النفط والغاز. هنا يبدأ التحول الحقيقي، إذ لا تبقى المخاطر في السوق، بل تنتقل إلى البنية التحتية نفسها.
المشهد لا يقتصر على مضيق هرمز. فالتجارة العالمية لا تتحرك عبر شبكة مفتوحة، بل عبر مسارات محدودة، من ملقا إلى السويس وبنما. هذه البنية صنعت الكفاءة، لكنها صنعت الهشاشة أيضاً. ومع كل اضطراب، لا ترتفع التكاليف فقط، بل يعاد رسم المسارات، وتدخل الجغرافيا مباشرة في معادلة التسعير. وقناة بنما مثال واضح على ذلك، فهي لا تمثل سوى نحو 3% من التجارة البحرية العالمية، لكنها تتعامل مع نحو 40% من حركة الحاويات الأمريكية، وتربط بين المحيطين الأطلسي والهادئ، ما يؤكد أن قيمة الممر لا تقاس بحجمه، بل بما يخلقه تعطله من ارتباك.
الأثر يظهر سريعاً في السوق، لكن ليس عبر الأسعار فقط، بل في بنية التكلفة نفسها. التأمين يرتفع، وزمن الرحلة يطول، وتكلفة الوقود تزيد، وقرار العبور نفسه يصبح مخاطرة. في هذه البيئة، لا تحتاج الأسواق إلى إغلاق كامل حتى تتعطل، يكفي أن ترتفع المخاطر حتى تتباطأ التدفقات وترتفع الكلفة.
وعندما ترتفع تكلفة العبور، تتضح قيمة البدائل، وهنا تبرز قدرة السعودية على نقل جزء من إنتاجها عبر البحر الأحمر، متجاوزة مضيق هرمز جزئياً من خلال خط شرق–غرب بطاقة تصل إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً. هذه ليست مجرد استجابة مؤقتة، بل ميزة اقتصادية تعيد تعريف موقع الدول في الأسواق. ففي عالم ترتفع فيه تكلفة العبور، لم تعد المرونة مجرد قدرة تشغيلية، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في تموضع الدول داخل الأسواق.
ويكشف الغاز الطبيعي المسال هذه الهشاشة بوضوح. فالغاز، بخلاف النفط، أقل مرونة في النقل والتخزين، لذلك يكون أي اضطراب في تدفقه أعمق أثراً وأطول زمناً. ومع اعتماد متزايد في آسيا وأوروبا على الإمدادات البحرية، يتحول أمن الطاقة من مسألة إنتاج إلى مسألة وصول.
لذلك، ما يحدث اليوم ليس أزمة عابرة، بل يكشف أن الاقتصاد العالمي أكثر هشاشة مما يبدو. فالاقتصاد العالمي يعتمد على عدد محدود من الممرات الإستراتيجية، وهذه الممرات لم تعد مجرد نقاط عبور، بل أصبحت أدوات تسعير بحد ذاتها.
ما يحدث اليوم لا يعيد تسعير الطاقة فقط، بل يعيد تسعير الطريق إليها. وفي عالم كهذا، لا تُقاس قوة الدول بوفرة مواردها فقط، بل بقدرتها على تأمين وصولها إلى الأسواق.
كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال
