يتعين على الاقتصاديين إيلاء مزيد من الاهتمام للإنصاف بدلا من التركيز على الكفاءة بصورة تكاد تكون حصرية. وهنا أطرح اقتراحان للاقتصاديين، ماذا يتعين على الاقتصاديين إيلاء مزيد من الاهتمام للإنصاف بدلا من التركيز على الكفاءة بصورة تكاد تكون حصرية. وماذا عن الأقلية من الاقتصاديين الذين يودون الانخراط في السياسة؟ أعرض اقتراحين هنا، وكلاهما بعيد عن المألوف. فهما ليسا مما ندرسه لطلاب الدراسات العليا.
الاقتراح الأول يتعلق أيضا بالآفاق الزمنية. فالآفاق الزمنية السياسية أقصر من الوقت الكافي لتحقيق سياسة اقتصادية سليمة. ولكن صحيح أيضا أن الآفاق الزمنية للاقتصاديين غالبا ما تكون أطول من المناسب لأغراض السياسة.
ففي العادة، يركز الاقتصاديون على آثار "التوازن" أو آثار "الحالة المستقرة" لأي تغير في السياسات. ما الذي سيحدث في نهاية المطاف بعد أن تتكيف الأسر والشركات مع التغيير في القانون الضريبي أو في اتفاق تجاري؟ تلك أسئلة مهمة ووثيقة الصلة بصنع السياسات، ولكنها تكاد تكون معدومة الصلة بعالم السياسة لأن الناس لا يعيشون في حالات توازن، إذ إننا نقضي معظم سنوات حياتنا في مرحلة انتقالية أو أخرى. أما الاقتصاديون فيقومون في الأغلب بتنحية "تكاليف المراحل الانتقالية" باعتبارها تفاصيل عابرة ضئيلة الأهمية. والواقع أن ذلك لا ينبغي أن يحدث.
والاتفاقات التجارية مثال جيد. فمع بعض الاستثناءات، تقارن نظرية التجارة بين حالتين من التوازن المستقر في ظل العمالة الكاملة. وقد علمنا ديفيد ريكاردو منذ 200 عام أن توازن التجارة الحرة أفضل للمجتمع ككل (رغم أنه ليس بالضرورة أفضل لكل فرد في المجتمع) مقارنة بالتوازن في ظل الحماية التجارية. وكان ريكاردو على حق، وهو السبب في أن معظم الاقتصاديين مناصرون مخلصون للتجارة الحرة.
ولكن عملية التكيف مع التوازن الأفضل القائم على التجارة الحرة قد تكون طويلة ومؤلمة، حيث تنطوي على فقدان وظائف، وانخفاض لدخول البعض، ودمار لمجتمعات محلية، وأكثر من ذلك. والاقتصاديون على دراية بكل هذه الأمور، ولكنهم لا يولونها اهتماما كافيا. وعلى عكس الاقتصاديين، يعيش الساسة في العالم الحقيقي بتكاليفه الانتقالية الحاضرة دائما. وقد لا يحتفظون بمناصبهم لفترة تتيح لهم أن ينعموا بمزايا التوازن.
فهل يتعين، إذن، على الاقتصاديين اعتماد منهج الحمائية وما يصاحبه من ثبات؟ على الإطلاق. وأستخدم هنا مثال التجارة لأناقش نقطة عامة. فالاقتصاديون عليهم أن ينفقوا قدرا أكبر بكثير من الوقت والجهد للتفكير في تكاليف المراحل الانتقالية التي قد تكون مؤلمة، وكيفية التخفيف منها، والتفكير بعمق أكبر فيما يحدث قبل أن تتحقق آثار الحالة المستقرة التي يفاخر بها المفاخرون.
واقتراحي الثاني هو أنه يتعين على الاقتصاديين إيلاء مزيد من الاهتمام للإنصاف بدلا من التركيز على الكفاءة بصورة تكاد تكون حصرية. ففي السياسة، غالبا ما تتفوق اعتبارات الإنصاف المتصور على الكفاءة، وهو أمر يفهمه المسيسون، كما أنه أحد الأسباب التي تجعل السياسة الاقتصادية في الغالب مفتقرة إلى الكفاءة بشكل واضح تماما.
وأنا أدرك أنني بكتابة هذه الكلمات، أخاطر بفقدان رخصتي كخبير اقتصادي. فنحن، في نهاية المطاف، نضع الكفاءة موضع تقديس لسبب وجيه، هو أن زيادة الكفاءة تزيد من حجم الكعكة الاقتصادية. أي أنها أشبه ما تكون بوجبة غداء مجانية. لذلك لا أوصي هنا بالتخلي عن الكفاءة باعتبارها منارة مرشدة، إنما أوصي فقط بأن نخفف من تقديسنا لها مع زيادة الاحترام للجدوى السياسية – التي غالبا ما تكون مرهونة بالشعور بالإنصاف.
لننظر إلى المناقشات المعنية بالقوانين الضريبية، وهي مناقشات لا تتوقف داخل الهيئات التشريعية حول العالم. لقد وضع الاقتصاديون نظرية جميلة للضرائب المثالية تتمحور حول الحد الأقصى للكفاءة. ولكن هذه النظرية لا تسهم بأي دور في المناقشات التشريعية. ومن ناحية أخرى، نجد أن قضايا الإنصاف تهيمن على هذه المناقشات. ومن هنا تأتي الفوضى الضريبية الراهنة.
على حواف القضايا
وعلى ذلك، فنصيحتي للاقتصاديين المهتمين بصنع السياسات الفعلية – وليس النظرية – أن عليهم ألّا ينسوا الكفاءة. فالكفاءة مهمة ونحن على صواب في رأينا هذا. لكننا قد نضطر إلى الاكتفاء بتناول حواف القضايا، تحت مستوى العناوين السياسية، حتى تصبح تفاصيل الحزمة السياسية المعقدة أكثر كفاءة. ويمكن أن نطلق عليها نظرية ثالث أفضل بديل أو رابع أفضل بديل. وقد نضطر إلى الاكتفاء بهذا الحد.
أستاذ اقتصاد في جامعة برينستون ونائب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي سابقا
