الخميس, 10 سبتمبر 2026|27 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية


دانية أركوبي

 أسعار فائدة صفرية، تكاليف اقتراض منخفضة، وأهداف مثالية بتعزيز الاستهلاك والإنتاج والتصدير. هكذا بنيت اليابان سياساتها النقدية خلال أكثر من 3 عقود، ولكن ما بين أحلام التطبيق وواقع التنفيذ ظهر ما يمكن تسميته "المرض الياباني". لم يتعافى اقتصاد اليابان بل دخل في دورة انكماشية، ولم ينتعش الاستهلاك في ظل شيخوخة سكانية، بينما دخلت الصناعة اليابانية في أزمة ثقة في ظل المنافسة المقبلة من الجيران في آسيا وبخاصة الصين.

على جانب أخر، أصبحت اليابان مركز لما يعرف ب "تجارة الفائدة". حيث يتجه المستثمرين للاقتراض من السوق اليابانية بأسعار فائدة منخفضة، من ثم يعاد استثمارها في محافظ خارجية وتحقيق أرباح. هذه العملية المتراكمة جعلت اليابان أهم مستثمر خارجي في العالم، حيث تمتلك تريليونات من الدولارات في أصول متنوعة مثل السندات والأسهم والملكية الخاصة في مختلف الأسواق.

أدركت اليابان أن هذا الوضع غير قابل للاستمرار، فقد أسهمت السياسة في مراكمة الديون الحكومية حتى تخطت حاجز 200% من الناتج المحلي الإجمالي، وأصبح "الين" عرضة لتلاعبات متواصلة في أسعاره تدفع الحكومة لاستنزاف الاحتياطي للدفاع عنه في أسواق العملات. بينما يلقي الوضع الجيوسياسي والتجاري بضغوط على هياكل الاستهلاك والإنتاج مع ارتفاع تكلفة الطاقة، ويأتي ذلك في ظل تحولات في سياسات الإنفاق على الدفاع، ومخصصات برامج الرعاية الاجتماعية والتقنيات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي.

أين الحل؟ الاتجاه لتشديد نقدي عبر رفع أسعار الفائدة. من ناحية تحجم تحركات تجار الفائدة وتخفف الصدمات عن الين وتسيطر على التضخم وتمنع استنزاف الاحتياطي النقدي، ومن ناحية تقدم حوافز للأموال المهاجرة للخارج للعودة للأصول المحلية مثل السندات، وتوفير سيولة مالية تغطي احتياجات الإنفاق الطموحة على قطاعات حيوية مثل الدفاع والتكنولوجيا، وبرامج الدعم للصناعة والمستهلك، بهدف إخراج الاقتصاد من كبوته.

من يراقب الوضع؟ ليس دولة أو اثنتين، وإنما العالم أجمع. فاليابان على مدار 3 عقود من تدفق الأموال وفرت مئات المليارات من الاستثمارات.  تملك المؤسسات المالية اليابانية أصولا خارجية تصل إلى 6 تريليونات دولار، في الولايات المتحدة تملك اليابان أكثر من 1.1 تريليون دولار من سندات الخزانة. تخيل معي ماذا سيحدث لو قرر المستثمرون سحب أموالهم وبيع أصولهم والعودة لوطنهم للاستفادة من ارتفاع العوائد؟. كيف سيكون الوضع في أسواق السندات، أسعار الأسهم، تكاليف الاقتراض، تمويل الشركات الناشئة، ديون الحكومات، لا نستطيع تقدير تكاليف الصدمة الأولى، ولكن في ظل وضع مالي وجيوسياسي معقد على الصعيد العالمي فأعراض الانسحاب قد تكون ذات تكلفة أعلى وتفوق التوقعات.

بعد مرور كل هذه السنوات من سياسة "صفر فائدة"، ندرك اليوم أنها حملت أضرارا  فاقت المكاسب. على الصعيد الوطني لم تؤدي إلى استدامة اقتصادية وتنافسية صناعية، فأسعار المال ليست بمفردها قادرة على تحقيق الهدف، وإنما تحكمها عوامل ديمغرافية وجيوسياسية، وقدرة على استمرار الريادة في البحث والابتكار والتطوير. وباتت اليابان وجهة غير جاذبة للاستثمار، حيث تسربت مدخراتها إلى الخارج، وتعاظمت ديونها الحكومية، وباتت أكثر انكشافاً على الصدمات في ظل التقلبات السريعة في أسعار العملة المحلية.

دولياً لم توفر السيولة القادمة من اليابان حلاً لأزمة التمويل والاستثمار، بل كرست أزمة أكبر تتمثل في الاعتماد المفرط على الأموال ذات التكلفة المنخفضة، فالحكومات تقترض من أجل سداد القروض، وليس من أجل أصول إنتاجية تنتج عوائد وتوفر وظائف. والنتيجة أزمة ثقة نتيجة تراكم الديون، تكاليف اقتراض مرتفعة في الداخل للإبقاء على الاستثمارات الخارجية، هامش مناورة ضعيف في مواجهة صدمات البيع والخروج من الأسواق.

في الختام فقد ظنت اليابان في الأموال الرخيصة طوق نجاه لضعفها الاقتصادي، دون أن تدري أن السياسة ستكرس ضعفها وتقلص مكانتها الاقتصادية بين الأمم. واليوم تحاول إصلاح ما تبقى، عبر رفع أسعار الفائدة، واستعادة أموالها المهاجرة للخارج لتحقيق طموحاتها في العودة لأمجاد الثمانينيات من القرن الماضي. تاركة العالم في مأزق حقيقي، أما الحفاظ على تكاليف اقتراض مرتفعة لضمان عوائد مقنعة للمستثمرين، أو الاستعداد لموسم الهجرة العكسية للأموال اليابانية.

مستشارة اقتصادية

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية